[Post Name]
الصفحة الرئيسية تجارب حديثـــــة مشاركة تجربــــة




وصف التجربة 16133:

أُعيد إرسال هذا البريد الإلكتروني والمقال الذي كتبته عن حادث أودى بحياتي، لكن الطبيب الشرعي وفريق الطوارئ أعادوني للحياة سريعًا، لكنني خضعت لعملية جراحية على متن مروحية الإسعاف الجوي ودخلت في غيبوبة. استيقظت داخل جسدي بهذه الصفاء الذهني الجديد، أي أنني كنت مستيقظًا وواعيًا، لكنني لم أستطع الاستيقاظ. لم أكن أعرف ماهية هذه الظاهرة حتى عدت إلى الجامعة، وأعارني أمين المكتبة بعض كتب ريموند مودي. وسألني: "هل سمعتِ يومًا عن تجربة الاقتراب من الموت؟"، صُدمتُ، لكنني شعرتُ بالارتياح لوجود اسم لما مررت به، ولوجود آخرين مروا أيضًا بهذه التجربة.

لقد مررتُ بهذه التجربة سنة ١٩٨٦، لكنها ما تزال مستمرة منذ ذلك الحين. أشعر برغبة قوية، أشبه بدافع قهري، لمساعدة الآخرين على تجاوز آلامهم. أفعل ذلك بأن أشارك معهم قصة إيماني بالحياة بعد الموت، سعيًا لمواساتهم وطمأنتهم. هذا الوعي الجديد، الذي أشبه بحدسٍ عدتُ إلى الحياة به، يساعدني على رؤية الألم والمعاناة في أعماق الناس.

القصة كما نُشرت سابقًا في (Lucidity Letter) 1991، المجلد 10، العدد 1 و2:



كود الطوارئ الأزرق: بداية جديدة مارك ب.



فورت دودچ، ولاية أيوا تبدأ قصتي في ليلة الثالث من أغسطس ١٩٨٦ الدافئة المُرصّعة بالنجوم – ليلةٌ قُدّر لها أن تتميز عن كل الليالي التي سبقتها، إذ أصبحت فجأةً معزولةً في الزمن. كانت الليلة هادئةً وساكنة، لكنها حملت في طياتها قوةً غيّرت حياتي للأبد.

قبل ذلك الوقت، وخلال سنوات دراستي الجامعية، بدأتُ مرحلةً من حياتي تخلّيتُ فيها تدريجيًا عن كل ما كان يُنظّم حياتي ويُرسّخ فيها هُدوئي وهدفي. وجدتُ نفسي أهيمُ في تلك السنوات بلا هدف، ساعيًا بيأسٍ إلى استعادة ما عرفتُه يومًا من هُدوءٍ ورضا. ازدادَ استيائي من حياتي وأنا أنجرفُ بين اهتماماتٍ مُختلفة، أستنزف الحماس والإثارة من كلٍّ منها قبل أن أنتقلَ إلى التالي. استنفدتُ خياراتي واحدًا تلو الآخر، وأغلقتُ بابًا تلو الآخر خلفي، وكلٌّ بابٍ كان يُبعدني خطوةً عن ذاتي الحقيقية. شعرتُ بالضياع، ولم أعد أعرف من أنا أو إلى أين أتجه، حتى دعوتُ الله طلبًا لإجابةٍ تُغيّر حياتي وتُعيد بناءها بالمعنى الصحيح الذي كنتُ أفتقده حينها.

في ليلة الثالث من أغسطس، كنت قد وصلتُ إلى المنزل للتو بعد انسحابي من الفصل الدراسي الصيفي في جامعة شمال آيوا، ولم أكن أملك سيارة. أعارني والدي سيارته في تلك الأمسية: سيارة تويوتا رياضية ببابين، أصغر وأخف وزنًا مما اعتدتُ قيادته. قضيت الأمسية مع صديقي القديم جون، الذي كان قد تزوج في الشهر السابق، قمنا بطهو الهامبرغر على الشواية وشاهدنا الأفلام على التلفزيون. وبعد أن اتخذنا بعض القرارات بشأن كيفية تغيير حياتي، ناقشنا ما سيحدث خلال الأيام القليلة القادمة استعدادًا لالتحاقي بالجيش. كنتُ قد تركت الدراسة، واستكملت جميع المتطلبات الأولية بعد تجنيدي، ولم يتبقَّ لي سوى إجراء الفحص الطبي في اليوم التالي، حيث كنت سأُسافر جوًا لبدء تدريبي. وبمرور المساء، بدأتُ أُعرب عن بعض التردد والشكوك بشأن قراري بترك الدراسة. قررنا مواصلة حديثنا ونحن جالسان في سيارتي نتنزه بها في الريف.

قبيل الساعة الثانية صباحًا، انعطفنا منحدرين نحو تلة كبيرة خلف منزلي، قادتنا إلى الريف على طريق النهر، الذي سُمّي بهذا الاسم لأنه يمتد بمحاذاة نهر ديس موين الذي يمرّ عبر مدينة فورت دودج، حيث نشأت. كان طريقًا أعرفه جيدًا (ربما أكثر من اللازم) من كثرة الأميال التي قطعتها عليه وأنا أتدرب على هوايتي وموهبتي، ألا وهي الجري.

وبينما كنا نواصل القيادة، وعلى بُعد أقل من ميل واحد من منزلي، علّقتُ على مدى الهدوء والسكينة اللذين شعرت بهما من النظر على النهر في الأسفل، والنجوم المُتلألئة في السماء في الأعلى، وأضواء المطار الساطعة من بعيد وهي تشقّ طريقها عبر ستار الظلام الذي خيّم على الأفق. بدت الليلة مُظلمة وساكنة على نحوٍ غير مُعتاد، حيث غلّف الظلام الطريق، محتويًا كل شيء بداخله، ومُخمِدًا لكل حركة وصوت. وبينما كنا نواصل نزولنا منحدرين إلى أسفل التل في الظلام — ذلك الظلام الذي سيبقى تذكيرًا مشؤومًا بتلك الليلة — التفت إليّ صديقي وأخبرني بشعور غريب انتابه، فمد يده وشدّ حزام الأمان عليه ووضعه في مكانه المُثبت. شعرتُ بنفس الشعور إذ سرت قشعريرة في ظهري، أقشعر منها جسدي وأنا أمدّ يدي وأسحب حزام الأمان نحو مكانه المُثبت، لكنني ترددتُ بعد ذلك وأعدتُه إلى مكانه.

واصلنا السير بالسيارة، كنا لا نزال على بُعد أقل من ميل من منزلي، اقتربنا من منعطف في الطريق الذي أُعيد رصفه مؤخرًا بعد انزلاقه في النهر بالأسفل أثناء عاصفة مطيرة. ضغطت على المكابح وأبطأت سرعتي ونحن نقترب من المنعطف، لكن فجأةً اهتزت السيارة عند عبورنا لحفرة في الطريق تفصل الجزء القديم عن الجزء الجديد من الطريق. تسبب الاصطدام في تأرجح السيارة من جانب إلى آخر، مما أخلّ بتوازننا، فانحرفت السيارة إلى اليمين. عندما اصطدمت العجلات الأمامية للسيارة بحافة الطريق بدا الأمر كأننا كنا ننزلق على الجليد ، مما جعلنا نفقد السيطرة ونتأرجح على الطريق. ثم انحرفت السيارة نحو جرفٍ على اليسار، حيث يمتد سياجُ حديدي واقٍ يفصل الطريق عن منحدر السقوط في النهر بالأسفل. تمكنت من تفادي الاصطدام بالسياج، لكنني انزلقت مرة أخرى نحو اليمين. أصبحت الرؤية مشوشة عندما رأيت السياج وأضواء تحديد الطريق العاكسة وهي تومض وتختفي بسرعة. أضاءت المصابيح الأمامية بوضوحٍ شديدٍ العديد من الأضواء العاكسة التي تُحدد مسار الطريق، كلٌّ منها بدا كأنه مصباحٍ يتأرجح جيئةً وذهاباً في الليل، مُشعّاً بنورٍ ساطعٍ ومميز. حوّل سطوع الأضواء ظلمة الليل إلى بياض ناصعٍ في نهارٍ مُشرق، مُحاطاً بإشعاعٍ سماويٍّ غريب. الأشجار المرسومة داخل المصابيح الأمامية بدت وكأنها دبت فيها إلى الحياة وهي ترقص أمامي بغرابةٍ جيئةً وذهاباً كدمى مُعلقة بخيوط. شعرتُ وكأنني أشهد ألعاب متجر ألعاب ضخم تنبض بالحياة لتسخر مني وهي تُخدّرني بلعبها. شعرتُ بالدوار والخوف وانتفخت معدتي من الغثيان، كأنني كنتُ في لعبةٍ ملتويةٍ ومقززة في مدينة ملاهٍ، لكن هذه اللعبة ستأخذني إلى حيث لم تأخذني أي لعبة كرنفال من قبل. هل هذه "نقطة اللاعودة"؟ بدت الثواني وكأنها دقائق، بينما كانت معدتي تُقشعرّ من الغثيان والرعب. هل سنتوقف يوماً ما؟.

طُمست النجوم في السماء من خلال الزجاج الأمامي وهي تدور وتدور كأسراب من اليراعات تدور حول عشها. بدا كل شيء ساكنًا بينما تجمّد ذلك الجزء الصغير من الزمن في وضوحٍ غريب. تلاشت الأغنية التي كانت تُبث على الراديو بينما غابت النجوم وهي ترقص أمام الزجاج الأمامي، كانت تُغريني بألحانها الساحرة، كأنها كانت تدعوني للرقص معها. لم تعد النجوم تبدو بعيدة في السماء، بل بدت تدور حولي وكأنها في متناول يدي. كان عدّاد السرعة يهتز بعنف ذهابًا وإيابًا في مكانه، كان يصارع لينفلت، ثم تجمّد بعد ذلك كأنه كان مثبتًا داخل صورة. أضواء لوحة القيادة الفلورسنت أصبحت ثلاثية الأبعاد حيث توهجت بإشعاع لكنها خفتت فجأة، مثل نار المخيم عندما يخمدها البنزين. كان المشهد لا يزال ساكنًا كأنه كان متجمدًا ولم يعد يبدو واقعيًا.

لم أعد أشعر بيديّ على عجلة القيادة، إذ بدا جسدي وكأنه مخدر وفقد الإحساس تمامًا. لم أعد أشعر بالمقعد، وشعرت بانفصال عن جسدي. شعرتُ بالدوار والخفة وأنا أرتفع عن مقعدي وأنظر إلى الأسفل على يديّ اللتين تجمدتا من الرعب وهما تشبثتان بعجلة القيادة، حتى بدت أوتارهما بارزة من شدة التوتر. شعرتُ وكأنني اختفيت، بينما حملتني النجوم إلى ملعبها السماوي في الأعالي، وتركتُ جسدي متجمدًا من التوتر والرعب داخل السيارة. بدا الأمر هادئًا للغاية وأنا أطفو بعيدًا وأضيع بين النجوم.

كان ذلك آخر ما أتذكره من تلك الليلة لفترةٍ طويلة من الزمن. لم أتذكر خروج السيارة من الطريق وسقوطها في الخندق وارتطامها بجانب التل. لم أتذكر أن مقدّمة السيارة دخلت في أنبوب لتصريف المياه مما جعلها تنبعج. لم أتذكر صوت تحطم الزجاج وانشقاق المعدن أثناء ارتطام السيارة بشجرة أثناء انقلابها في الهواء. لم أتذكر أن أذني قد انتُزعت من مكانها عندما اصطدم رأسي بالزجاج الأمامي. ولم أتذكر صوت رقبتي وهي تنكسر تحت ثقل السيارة كصوت غصن ينكسر تحت الاقدام.

استقرت السيارة مقلوبة على سقفها، ومحصورة بين شجرتين، وأنا وجون محاصران فاقدان للوعي تحت ثقلها. انقضت أربعون دقيقة تقريبًا قبل أن يستعيد جون وعيه وإدراكه لمكانه. كان جون محاصرًا تحت حطام السيارة المتشابك، أصابه الذعر وهو يحاول تحرير نفسه، لكنه لم يستطع فتح الباب الذي أغلقته شجرة. في النهاية، ورغم ضيق المساحة بسبب السقف المنهار والمحطم، تمكن من الزحف عبر نافذة محطمة. كان لا يزال مشوشًا للغاية، لكنه تمكن من الوصول إلى مزرعة قريبة وطلب المساعدة.

واجهت السلطات صعوبةً في تحديد موقع السيارة لأنها كانت مختبئة بين الأشجار في الغابة، فبدأت السلطات البحث عني فور وصولها. بعد فترة وجيزة من بدء البحث، أصبح جون أكثر وعيًا وتذكر موقع السيارة.

بدا أن المساعدة لا طائل منها بالنسبة لي، إذ عثر عليّ قائد شرطة مقاطعة ويبستر في الساعة 3:15 صباحًا وأنا فاقد الوعي بداخل السيارة. وعند وصوله، مدّ قائد الشرطة يده داخل السيارة، لكنه لم يتمكن من تسجيل نبضي. وبدا واضحًا أن علاماتي الحيوية غير موجودة، فتم إبلاغ السلطات الطبية المختصة بوفاتي وتم استدعائها إلى مكان الحادث. وسرعان ما وصل المسعفون ورجال إطفاء مدينة فورت دودج، تبعهم الطبيب الشرعي لمقاطعة ويبستر، لكنهم لم يتمكنوا من الوصول إليّ داخل السيارة. وحينما بدأوا محاولاتهم للوصول إليّ وإنعاشي، قاموا باستخدام أداة "فك الحياة" الهيدروليكية لفتح عدة أجزاء من السيارة بالقوة للسماح للمسعفين والطبيب الشرعي بالزحف إلى داخل السيارة ومساعدتي. في ذلك الوقت، كانت علاماتي الحيوية لا تزال غير موجودة، ولكن بعد عدة محاولات إنعاش، تم تسجيل نبضي. تركوني داخل السيارة حتى استقرت حالتي بما يكفي لإخراجي من السيارة بأمان. وبعد أن استقرّ نبضي وقاموا بحماية إصاباتي وتثبيت رقبتي، تم إخراجي من السيارة ونُقلت إلى مستشفى قريب حيث كافح الطاقم الطبي هناك لإبقائي على قيد الحياة.

نُقلت أنا وجون إلى مستشفى ترينيتي الإقليمي في فورت دودج، وتم إبلاغ والدينا بالحادث. إلا أن والديّ تلقّيا أخبارًا مختلفة عن أخبار والديّ جون. كان جون يتلقى العلاج بسبب جروح قطعية متعددة في الجسم، وارتجاج في المخ، وجروح في الوجه والرأس، وعدّة كسورٍ في الأضلاع. بينما كان من الواضح أن حالتي لا يمكن علاجها هناك. كان الاهتمام الرئيسي آنذاك هو اتخاذ الإجراءات الطبية الضرورية للحفاظ على حياتي. عندها واجه طاقم المستشفى قرارًا حاسمًا: هل يُمكنهم المخاطرة بنقلي إلى مكانٍ تتوافر فيه الرعاية التي أحتاجها؟. تلقى المركز الطبي الميثودي في آيوا (IMMC) في مدينة ديس موين إشعارًا بحالتي، فأرسلوا مروحية "الإسعاف الجوي" في طريقها إلى مستشفى ترينيتي الإقليمي حيث كنتُ انتظر وصولها. حينها، أصبح بقائي على قيد الحياة اختبارًا للوقت. هل سأبقى على قيد الحياة لفترة كافية حتى تصل المروحية؟ هل سأنجو من الرحلة إلى ديس موين؟ كنت لا أزال في "الساعة الذهبية"، تلك الدقائق الأولى التي ستحدد ما إذا كنت سأعيش أم لا.

بحلول الوقت الذي وصل فيه والداي إلى المستشفى، كنت قد بدأت بالفعل رحلتي إلى المركز الطبي الميثودي في ديس موين، حيث كان طاقم الطوارئ والعناية الفائقة على أهبة الاستعداد في انتظار وصولي. كانت نجاتي تعتمد على وصولي إلى ديس موين قبل أن تبدأ أعراض مثل الصدمة النخاعية (رضوض وصدمات في الحبل الشوكي نتيجة تلف في الحبل الشوكي) والرضوض الدماغية (إصابات وصدمات في الدماغ نتيجة إصابة داخلية في الرأس). تسبب هذه الحالات تورمًا وقد تؤدي إلى توقف الوظائف الحيوية عن العمل. لم يكن طاقم رحلة الإنقاذ، رغم كفاءتهم، مستعدًا ومجهزًا للتعامل مع مثل هذه الحالات الدقيقة، وكانوا بحاجة إلى معدات طبية أكثر تخصصًا من تلك المتوفرة على متن المروحية.

وبينما واصل والداي رحلتهما الطويلة والمؤلمة إلى ديس موين، وهما لا يزالان يجهلان الكثير عما ينتظرهما، أكملتُ أنا رحلتي التي كانت ستُحدّد مصيري، بينما كانت حالتي تزداد سوءًا. عند وصول والديّ إلى ديس موين، كانت الصدمة النخاعية والرضوض الدماغية قد بدأت فعلًا. بدأ نخاعي الشوكي ودماغي بالتورم، مما تسبب في توقف جهازي التنفسي. في ذلك الوقت، وُضعتُ على جهاز تنفس صناعي لدعم الحياة، والذي كان يتنفس بدلًا مني، وهكذا حافظوا على علاماتي الحيوية – كانت تتم المحافظة على حياتي بواسطة وسائل تنفس ميكانيكية واصطناعية. كانت حالتي الصحية سيئة لدرجة أن أي عملية جراحية لتخفيف الضغط على النخاع الشوكي لم تكن ممكنة، رغم أن تلك الجراحة كانت ضرورية. لم أكن مستقرًا بما يكفي للخضوع لأي عملية جراحية. لذا، اضطر الأطباء إلى انتظار حتى تتحسن حالتي.

وبينما كنت أتنفّس بمساعدة جهاز التنفس الصناعي، أصبحت الإصابات الطفيفة الأخرى التي لحقت بي في الحادث هي محور الاهتمام الرئيسي. أثناء ارتطامي داخل السيارة، اصطدم رأسي بالزجاج الأمامي المكسور الذي انثنى إلى الداخل عندما تسطح السقف. أصبت بجرح بالغ في الجانب الأيمن من رأسي، بدءًا من صدغي وامتد إلى الخلف وإلى الأسفل مرورًا بأذني. ترك هذا كمية كبيرة من شظايا الزجاج مغروسة في جمجمتي، وكانت أذني شبه مقطوعة بالكامل (كانت ممزقة ومسلوخة). خضعت لاحقًا لجراحة تجميلية وترميمية لكلتيهما، بالإضافة إلى جروح مختلفة متفرقة في جبهتي. أثناء ارتطام صدري بعجلة القيادة، أصيبت رئتي بأضرار طفيفة (كدمات وسحق جزئي). أما الإصابات الأقل خطورة، مثل أصابع القدم المكسورة، والأصابع الملتوية، والإجهاد على مفاصلي فقد تُركت دون معالجة فورية. وحتى يتم إجراء فحوصٍ إضافية مثل الأشعة السينية والأشعة المقطعية، لم يكن من الممكن اكتشاف الكثير من تلك الإصابات.

بعد ذلك بوقت قصير، خضعتُ لفحوصات التصوير المقطعي والأشعة السينية، والتي كشفت عن إصابتي بكسر وخلع في الفقرتين العنقيتين الثالثة والرابعة، كما تعرضت أيضًا لإصابة دماغية داخلية، بالإضافة إلى أضرار مختلفة في الرئتين والأنسجة الرخوة. لم يكن بالإمكان معرفة مدى الضرر الذي لحق بالنخاع الشوكي بدقة حتى أصبحت حالتي مستقرة بما يكفي للخضوع للجراحة. ومع ذلك، كان الأطباء يعلمون أنني "غير مكتمل" (أي أن النخاع الشوكي لم يكن مقطوعًا تمامًا)، لأنه مع مستوى الإصابة المرتفع جدًا والمعقد جدًا الذي تعرضت له، لو كنتُ "مكتملًا" (أي مقطوع الحبل الشوكي تمامًا) لكنتُ متُّ على الفور. ومع ذلك، لم يكن من الممكن تحديد مدى تلف الدماغ والشلل الناتج عنه.

تم وضعي في وحدة العناية المركزة تحت إشراف دقيق، وتم وضعي في جهاز شد علاجي لشدّ فقرات العنق. كنتُ لا أزال أعتمد على التنفس الاصطناعي. حُفرت ثقوب على جانبي رأسي خلف الصدغين وأسفلهما مباشرةً. صُممت هذه الثقوب لتركيب أداة تُعرف باسم "ملقط الملاك" الذي تم تثبيته في تلك الفتحات بمسامير. كانت هذه الملقطات تشبه ملاقط الثلج، وكانت تُثبّت على السرير بواسطة جهاز سلكي زنبركي مزود بأوزان شد وزنها 12 رطلاً (5.4 كغم). كانت تمنع أي حركة، وتسحب رأسي بعيدًا عن جسدي لتثبيت العنق المصاب واستقامته. وُضعتُ على سرير حركي يتشكل حول جسدي مثل قالب رجل بسكويت الزنجبيل. كنت مستلقيًا داخل هذا القالب بينما كان السرير الحركي يدور من جانب إلى آخر. كان هذا السرير يُكمل دورة كاملة كل خمس دقائق، وكان من الممكن إيقافه عند الحاجة لتقديم الرعاية. كان الغرض من التدوير هو تحسين الدورة الدموية ومنع تقرحات الفراش في نقاط الضغط من جسدي. تم إدخال أنابيب أنفية معدية إلى معدتي عبر أنفي لتزويدي بالتغذية السائلة. وتم إدخال أنابيب القصبة الهوائية إلى رئتي عبر أنفي وحلقي حتى اتمكن من التنفس، ولشفط السوائل من رئتي الممتلئتين بالسوائل والبلغم. كما تم إدخال أنابيب وريدية في ذراعيّ للمساعدة في الحفاظ على رطوبة الجسم وتوازن السوائل، بالإضافة إلى إعطاء الدواء.

بمرور الساعات، ومع استمراري في الصراع من أجل البقاء، تدهورت حالتي ودخلت في غيبوبة عميقة. عندها أخبر أطباء الأعصاب والديّ، اللذين كانا في حيرة من أمرهما وألم شديد، بأنني إذا نجوت، فسأصاب بالشلل الرباعي، ومن المرجح جدًا أن أظلّ طريح الفراش وأعتمد على جهاز التنفس الصناعي بقية حياتي.

بينما في نظر العالم كنتُ في غيبوبة، فأنني لا أجد كلماتٍ كافيةً للتعبير عن جمال وروعة ما كنت على وشك أن أختبره خلال الأسابيع التالية. أي محاولةٍ لوصف هذه التجربة أو التعبير عنها بالكلمات لن تُفي بالغرض. ما كنتُ سأختبره كان شيئًا يتجاوز هذا العالم، ولا يُمكن وصفه بدقةٍ بكلماتٍ دنيوية. كنتُ سأواجهُ حدثًا غامضًا وهادئًا محمل بالمشاعر والأحاسيس التي لا تزال تُغمرني وتُؤثر على حياتي بالرضا والحب والفرح.

بما أنني لم أتذكر ليلة الحادث وما تلاها، فقد استيقظت داخل نفسي كأنني كنتُ معلّقًا في وسط فراغ مظلم لأواجه مزيجًا صادمًا من الألم والارتباك. شعرت أنني تائه داخل كابوس وأنا أكافح لأستيقظ وأحرر نفسي من قبضة هذا الحلم المروع. شعرت وكأن جفوني قد خيطت معًا وأنا أجاهد لفتح عيني لكنني لم أستطع. كنت مدركًا لتوهج الأضواء المشعة خارج جسدي وهي تخترق جفوني من الأعلى، مثل أشعة نور الشمس وهي تخترق جفون من يستلقون على الشاطئ. نظرت إلى الأعلى من أعماق نفسي ورأيت الفتحتين حيث كانت عيناي؛ بدتا وكأنهما ثقبان في باب حيث يشع النور من خلالهما مثل جهاز عرض سينمائي يخترق شعاعه ظلام قاعة السينما.

شعرتُ وكأنني محاصرٌ تحت غطاءٍ من الجليد، يحملني التيارُ بلا حولٍ ولا قوةٍ في اتجاه مجرى النهر، فدبّ فيّ الذعر وأنا أحاول بلوغ السطح، لكنني لم أستطع مقاومة تدفق التيار القوي واللطيف. خشيت أنني سأختنق بالتأكيد إن لم أصل إلى السطح لأتنفس. استمر التيارُ الثابتُ تحت الجليد في سحبي إلى هذا الكابوس، كرائد فضاءٍ انفصل عن سفينة الحياة، وبقي يطفو إلى الأبد في فراغ الفضاء. امتلأتُ بالرعب، وكافحتُ للمقاومة، منتظرًا أن يوقظني أحدهم قبل أن أبتعد كثيرًا فلا أستطيع العودة. كنت مرتعبًا لأنني لم أستطع الاستيقاظ من هذا الحلم. وبينما كنتُ مذعورًا لأحرر نفسي، فكرتُ في عائلتي. كم سيكون من السهل عليهم إيقاظي، لكنني لم أستطع مناداتهم خلال هذا الكابوس الذي عزلني عنهم.

سرعان ما تغلب الألم على رعبي وحيرتي، إذ ازداد وجعه حدّةً حتى صار لا يُحتمل. حاولتُ جاهدًا أن أستيقظ وأتحرر من لسعته المبرحة، لكنني لم أستطع. وبينما استمر الألم في التفاقم وتغلب على حيرتي، وأدركتُ عبثية كفاحي للاستيقاظ، سعيتُ للهروب من الألم بالبحث عن ملجأ في أعماق جسدي. لم أعد أقاوم انجذاب التيار، إذ توقفتُ عن كفاحي، وسمحتُ للتيار بأن يحملني بعيدًا في أعماق جسدي نحو بر الأمان. وبينما كنتُ أبحث عن ملاذٍ من الألم وأغوص في أعماق جسدي هربًا، شعرتُ وكأن عقلي وجسدي يعرفان غريزيًا ما يجب فعله، بينما يدفعان "ذاتي" الداخلية إلى بر الأمان ويتحملان الألم والحيرة نيابةً عني. مثل صندوق الفيوزات الكهربائية، أطلق جسدي قاطع الدائرة الوقائي عندما غمره ألمٌ شديدٌ يفوق قدرته على الاحتمال بأمان. وعندما واجه جسدي الحمل الزائد المؤلم الناجم عن إصاباتي، منع قاطع الدائرة الوقائي المزيد من الضرر عن "ذاتي" الداخلية، جوهر "وجودي". كان جسدي المادي في وضع الطيار الآلي، بينما قفزت "ذاتي" الداخلية إلى بر الأمان، متجنبةً الألم الذي كان شديدًا لا يطاق. مثل طيار يقفز من طائرته إلى بر الأمان بمظلة قبل سقوط الطائرة المعطلة، قفزتُ أنا أيضًا إلى بر الأمان. مثل شخصٍ يبحث عن ملجأ آمن في قبو تحت الأرض أثناء العاصفة، كذلك بحثتُ عن ملجأ عميق في أعماق جسدي. وبمجرد أن وصلت، أغلقتُ الباب خلفي وجلستُ مختبئًا في ظلمةٍ وصمتٍ بانتظار أن تمرّ العاصفة. أصبح جسدي الفارغ من حولي قوقعةً جوفاء كنتُ معلّقًا في وسطها بلا وزن، كحظيرة طائراتٍ كبيرة مهجورةٍ: فارغة ومظلمة.

ثم، وأنا آمنًا داخل تيار الأمان، تحولت رحلتي نزولًا داخل جسدي إلى سلسلة من الملاجئ حيث استرحت ولجأت إلى بر الأمان. هناك انتظرت واستجمعت قوتي، حتى لحق بي الألم الكامن في داخلي، والذي زحفت عميقًا في جسدي هربًا منه، لكنه اخترق جدران ملجئي، مجبرًا إياي على التوغل عميقًا داخل جسدي بحثًا عن ملاذ آخر. وهناك أيضًا، انتظرت واستجمعت قوتي حتى لحق بي الألم مجددًا، فأجبرني على التوغل عميقًا لأفلت منه. كانت هذه الرحلة نحو الأسفل كرحلة جندي في حرب، ينسحب من فوضى الجبهات هربًا من وابل القنابل المنهمرة عليه والمهدِدة لحياته، باحثًا عن ملجأ في خندق تلو الآخر، مترددًا في أحدها قبل أن ينتقل إلى الآخر، مبتعدًا تدريجيًا عن الخطر ومقتربًا من الأمان. كانت هذه الرحلة أشبه بجندي مشاة يركض من باب إلى آخر أثناء عاصفة مطرية، ويقترب أكثر فأكثر من دفء الوطن. ثم، مستسلمًا، شعرتُ بتيارٍ لطيفٍ يغمرني بتدفقه، وهو يحملني بعيدًا إلى حيث الأمان. لم أعد أقاوم جاذبيته، وبدأت أتساءل إلى أين أنجرف. لم أعد أشعر بحاجةٍ ملحةٍ للتنفس، وأدركتُ أنه لم يعد ضروريًا. لم أعد أشعر بالذعر لأستيقظ أو لأقاوم التيار. لم أعد أعاني من الألم والكوابيس التي لا يمكن السيطرة عليها ولا المشاعر التي تصاحبها. لم أعد أشعر بحركة جسدي المادي من حولي ولا بالتشنجات والاختناقات التي كنتُ أعتبرها من قبل صادرة مني، فقد توقفت. وبقدر ما كنتُ أكافح للمقاومة سابقًا، أصبحت الآن أرغب في المضيّ قدمًا بحثًا عن إجابة لأسئلتي عما يحدث لي. نظرتُ عاليًا إلى السطح، فرأيتُ النور الذي كان يخترق جفني يتلاشى ببطء. شعرتُ بأمان طفلٍ صغيرٍ بين ذراعي أمه بينما دفء التيار يحيطني بأمانه.

ما زلتُ أشعر بالأمان في ظلّ جذب التيار لي وهو يحملني إلى بر الأمان في أعماق جسدي، حاولت أن أجد تفسيرًا عقلانيًا لما يحدث لي. لم أكن أعرف أين أنا، ولا كيف وصلتُ إلى هناك، ولا إلى أين أتجه، لكنني وجدتُ، بطريقة ما، شعورًا عظيمًا بالأمان والطمأنينة. لم أستطع تفسير الألم الذي لا يُطاق الذي شعرتُ به سابقًا وكافحتُ للهروب منه، ولا عزلة الظلام الدامس التي أحاطت بي. لم أستطع فهم لماذا لم يكن من الضروري أن أتنفس، ولماذا لم أختنق كما كنت أخشى في البداية. سرعان ما ظننتُ أنني في المنزل، في سريري، غارق في نوم عميق، لكنني لم أتذكر ذلك، ولم أستطع تفسير كيف أكون "مستيقظًا" أتحدث وأفكر، وفي الوقت نفسه نائمًا. هل كان هذا حلمًا؟ وإن كان كذلك، فلماذا لم أستيقظ من قبضة هذا الكابوس؟ متى سأستيقظ؟ لم أجد إجابةً مقنعةً لأسئلتي، وسرعان ما توصلتُ إلى أسوأ التفسيرات الممكنة. هل أنا ميت؟ إن كان الأمر كذلك، فلماذا كنتُ أتحدث إلى نفسي، ولماذا أشعر بالألم؟ فكرتُ في عائلتي وأصدقائي وفي حزنهم. لقد رحلتُ دون أن أودّعهم. شعرتُ بالحزن على أشياء كثيرة لم أفعلها بعد في حياتي. لحق بي الألم الذي كنت قد لجأت إلى أعماقي لأهرب منه، واضطررتُ مرة أخرى إلى التعمق أكثر في داخل نفسي للهروب منه.

عندما وصلتُ إلى ملجئي الأخير، شعرتُ وكأنني لا أستطيع التوغل أكثر، وأنا أُغلق الباب خلفي وأنتظر في أمان ملجئي. و"أدركتُ" بطريقة ما، أنني سأبقى هناك، وأنني قد وصلتُ إلى نهاية رحلتي. أصبح هذا الملاذ الأخير حصنًا مختلفًا عن سابقيه. بدا أكثر هدوءًا وسكينة من الملاجئ السابقة. لم يستطع الألم الذي سعيتُ جاهدًا للتملص منه اختراق جدران هذا الملاذ كما كان يفعل من قبل. تركتُ جميع الروابط المادية خلفي، بعيدًا عني حيث ستبقى. هناك، تركتُ جميع الروابط الجسدية خلفي، ولم يتبقَّ سوى "ذاتي" الداخلية فقط، جوهر "وجودي"، وقد انفصلتُ عن العالم الخارجي البعيد في الأعلى وخارج العالم الجديد لـ "ذاتي". قبل أن أدخل هذا الملاذ، الذي كان حصنًا أقوى من سابقيه، انقطعتُ عن جميع الروابط الجسدية، تاركًا "ذاتي" الداخلية فقط لتخترق جدران هذا الحصن. بقي ألمي مرتبطًا بجسدي المادي، الذي لم يستطع اختراق جدران هذا الحصن. ظلّ الألم مثل كلب شرس مقيد بشجرة خارج حصني، غير قادر على أن يعضُّ. تخلصتُ من ألمي قبل دخول هذا الحصن، كما يخلع العامل حذائه المتسخ على عتبة بابه قبل الدخول إلى المنزل النظيف. كان هذا الملجأ حاجزًا يحميني من الألم الذي بقي خارج أسواره. وبطريقة ما، "عرفتُ" أنني سأكون هناك بأمان، وأنني سأبقى حتى تمرّ العاصفة. تبددت مشاعري السابقة من الخوف والحيرة والألم وتحولت إلى مشاعر سلام وسكينة وأمان لم أعرفها من قبل. علاوة على ذلك، ورغم الصمت المطبق في هذا الملجأ، إلا أنني كنتُ قادرًا على "سماع" الأصوات التي يمكن سماعها، كما كنتُ قادرًا على "سماع" المشاعر الكثيرة التي تنبعث من داخل الملجأ. أصبحتُ "مدركًا" للظلام المطلق، ومع ذلك لم يُعميني قط، ولم يُعيق بصري. لم يكن هناك ما أراه، ومع ذلك كنتُ قادرًا على "الرؤية" كما لم أر من قبل. هناك بقيتُ "حيًا" ولم أشعر بالوحدة قط، حيث بطريقة ما غرس فيّ شيء ما، أو شخص ما، الشعور بالأمان وصلاح الحال. ارتحتُ لمشاعر السلام والسكينة التي أحاطت بي. انبعث "الدفء" في ملاذي، وهناك لم أجد إجابات على أسئلتي، ومع ذلك لم تكن لديّ أسئلة أيضًا. هناك، فقدت الإحساس بكل مفاهيم الزمن والنظام. لم أشعر بالتعب ولا بالجوع. تخلّيتُ عن جميع احتياجاتي ودوافعي الجسدية، وبقيت "الذات" العقلية منفصلة عن العالم، بعيدةً جدًا عن عالم "ذاتي" الجديد. لم يكن لديّ أي تفسير منطقي لمكان وجودي ولا لكيفية وصولي إلى هناك، لكنني وجدتُ بطريقة ما قدرًا كبيرًا من الأمن والأمان. ما كنتُ أعيشه كان أشبه بحلم، لكن بلا أوهام ذهنية: بدا كل شيء حقيقيًا وواعيًا، لكنه لم يكن يشبه أي شيء عشته من قبل. لم أكن أعرف أين أنا أو ما الذي يحدث لي، لكنني لم أعد أهتم، إذ اختفت جميع أسئلتي. مع ذلك، كنتُ أعلم فقط أنني بأمان، وأنني هناك سأنتظر حتى تمرّ العاصفة.

وبينما كنت أنتظر هناك وأستجمع قوتي، بدأت العاصفة تهدأ، وسرعان ما شعرتُ أن وقت الرحيل قد حان. شيء ما، شخص ما، في مكان ما، كان قد غرس فيّ شعورًا بالطمأنينة، وقف خلفي يُطمئنني على سلامتي. وبينما كنتُ أغادر ركني المظلم باتجاه باب الفتحة الذي كان يؤمّن ملاذي، توقفتُ لأستجمع شجاعتي لأفتح الباب. وبينما كنتُ أفعل ذلك، نظرتُ بعيدًا أمامي نحو الخطوط الأمامية التي كنتُ قد هربتُ منها سابقًا. كانت الخطوات الأولى صادمة ومُذهلة، إذ شعرتُ بوخز الألم الذي كنتُ قد أفلتُّ منه سابقًا. كانت مغادرة ملجئي أشبه بخطوات تلميذٍ يخرج من المنزل الدافئٍ صباحًا خلال عاصفة ثلجية باردة، مُبتدئًا مسيرته إلى المدرسة. ومع ذلك، وكما تدفع الأم أفراخها الصغار خارج العُش ليتعلموا الطيران، وهي تُراقبهم بعينٍ يقظةٍ وحامية، كذلك تم دفعي للخارج بواسطة يدٍ لطيفة. رافقني شعور الطمأنينة والأمان الذي تعلمتُ الشعور به في ملجئي، ورغم أنني لم أكن أعرف ما ينتظرني، إلا أنني عرفتُ من هذا أنني أستطيع مواجهته.

كانت رحلتي نحو الوعي أشبه برحلة عامل منجم فحم من أعماق المنجم، وهو يقترب أكثر فأكثر من السطح. وكلما اقتربت من الوعي، استطعتُ أن أشعر بنسيم الهواء النقي، كنسيم صيفي منعش على وجه عامل منجم الفحم عندما وصل إلى السطح وجلس تحت أشعة شمس النهار الدافئة.

لقد رحل ملاذي، لكن مشاعر الأمان بقيت بداخلي. هذه المشاعر سمحت لي ببدء رحلة التعافي.

فتحت عينيّ يوم الأربعاء، بعد خمسة أيام تقريبًا من الحادث. حينها، بدا لي أنني سأعيش، رغم أنني كنت لا أزال أعاني من صعوبة في الحفاظ على وعيي. في ذلك الوقت، كنت ما أزال بحاجة إلى جهاز التنفس الصناعي، ولم أكن قادرًا على الخضوع لعملية جراحية.

بمرور الأيام، كنت أفقد وعيي وأعود إليه بسهولة أكبر، لكنني حين أكون مستيقظًا كنتُ أكون مشوشًا جدًا ومضطربًا، سواءً بسبب صدمة الحادث أو بسبب تلف الدماغ الذي كان واضحًا آنذاك. قضيت الأسابيع القليلة التالية أتأرجح بين ملاذي اللاواعي من السكينة وحالة اليقظة المليئة بالارتباك والألم. وبينما كنت أكافح لأستوعب ما كان ينتظرني في يقظتي، وجدت نفسي أبحث عن الأمان الذي شعرتُ به سابقًا في ملاذي داخل نفسي. كنتُ قادرًا على الانسحاب من حالة يقظتي والعودة إلى عالمي الخفي المليء بالسلام. ومع كل انتقال بين اليقظة وملاذي، كنت أبدأ تدريجيًا رحلتي الصاعدة من أعماقي. كل انتقال كان يقربني خطوة نحو السطح. ورغم خوفي الشديد وارتباكي، إلا أنني كنتُ قادرًا استجماع الشجاعة والرضا اللذين شعرت بهما أثناء وجودي في ملاذي، واللذين بقيا بداخلي. حينما كنتُ في ملاذي البعيد في الأسفل، تعلمت أن أُنمّي مشاعر الدفء والسلام العظيمة، والتي تمكنت من جلبها معي إلى السطح. ورغم أنني لم أعد موجودًا داخل أمان ملجئي، إلا أن مشاعر الأمن والسلام والرضا ظلت تلازمني وأنا أبدأ رحلتي نحو السطح. لم أكن متأكدًا مما ينتظرني وأنا أقترب من حالة اليقظة، لكنني كنت أعلم أنني أستطيع مواجهته بمشاعر الأمن والطمأنينة التي اكتسبتها أثناء وجودي في ملجئي. وبينما كنت أقترب مما بدا حتميًا حينها، شعرت برضا عظيم لم أشعر به من قبل إلا في ملجئي.

عند كل يقظة، كان الأطباء يخبرونني مرارًا وتكرارًا أنني تعرضت لحادث سيارة وأنني مصاب بالشلل. أخبروني أنني مصاب بشلل رباعي وأنني سأبقى على كرسي متحرك لبقية حياتي – على أمل أن يكون كرسيًا متحركًا كهربائيًا إذا تمكنتُ من استخدام يدٍ واحدةٍ لتشغيله. وأنني سأحتاج إلى مساعدة في جميع أنشطة الحياة اليومية. وبعد بضعة أيام، تم نقلي إلى جناح التعافي المخصص لمرضى إصابات الحبل الشوكي وتلف الدماغ عندما أصبحت حالتي لا تعتمد على جهاز التنفس الصناعي.

بعد إجراء المزيد من الفحوصات بالأشعة المقطعية والأشعة السينية، قرر الأطباء إجراء عملية دمج للفقرات العنقية في رقبتي لزيادة ثباتي عند تحريكي أو عند جلوسي في وضع مستقيم على كرسي متحرك. وعندما بدأ جهازي التنفسي بالعمل بشكل طبيعي، حصل الأطباء على الإذن بإجراء العملية.

كانت رقبتي تتكون من سبع فقرات عنقية، وفي إصابة كهذه، كلما زادت شدة الإصابة، كلما زاد الضرر وزاد الشلل المصاحب له. ونتيجةً لذلك، كلما زاد عدد الفقرات المتضررة، زاد مدى الضرر الذي يُصيب الحبل الشوكي. أُصبتُ بكسر وخلع في فقرتي العنق الثالثة والرابعة، مما استلزم دمج الفقرات من الثانية إلى الخامسة معًا كفقرة واحدة. تم قطع عدة عظام من وركي ودُمجت في رقبتي باستخدام أسلاك ودبابيس. عملت العظام المضافة كجسر لتنمو عبره عظام جديدة وتصبح دائمة. استغرقت الجراحة سبع ساعات، وتم دمج أربع فقرات من أصل سبع. وبعد انتهاء الجراحة، تم نقلي مرة أخرى إلى وحدة العناية المركزة للتعافي لمدة يومين.

في ذلك الوقت، أخبر أطباء الأعصاب والديّ بأنني لن أتمكن من استخدام ذراعيّ أو ساقيّ أبدًا، وأنني سأظلّ مشلولًا شللًا رباعيًا طوال حياتي. علاوة على ذلك، قالوا إن الأسبوعين المقبلين سيكونان حاسمين في تحديد ما إذا كنت سأتمكن من الحركة على الإطلاق أم لا.

بقيت مشاعر الأمان والرضا من ملجئي تغمرني في يقظتي، مما سمح لي بتجاوز الخوف والألم والحيرة، بينما كنتُ أُركز على العالم الخارجي من حولي. لم أكن أعلم ما يخبئه لي المستقبل، لكنني كنتُ أعلم أنني بأمان، وأنني أستطيع تقبّل ما ينتظرني – أياً ما كان – والتغلب عليه.

مع بدء خضوعي للمتطلبات الجسدية للعلاج، كنتُ غالبًا أبدو "غائبًا" بينما كنتُ أعود إلى وعيي الجديد الذي اختبرته وأنا واعي. كان ملاذي بمثابة نبع "دفء" يغذي جسدي بالعناصر الضرورية للحياة – نبعٌ استمر في النمو والفيضان في داخلي، ثم انساب إلى مناطق أخرى من جسدي حسب توجيهي لتدفقه. في كل ليلة، وبينما كنتُ أبدأ كفاحي لإصلاح جسدي المتضرر من داخلي، كنتُ أُركز على منطقة مختلفة من جسدي. كنتُ أُركز على الدفء العميق بداخلي وأتحد معه. ثم في أعماق هذا الدفء، وفي تلك اللحظة من التركيز العميق، كنتُ أُركز على تجاوز الدوائر المتضررة في حبلي الشوكي. وبينما كنتُ أتدفق مع الدفء في جميع أنحاء جسدي، كنتُ أُركز على تلك الدائرة العصبية. كان كل طرف من أطرافي يستمد الدفء المتدفق في أعماق جسدي، حيث كان يمتلئ بحياة هذا الدفء الذي يدعمه. كنتُ أشعر بشعور رائع من "الحيوية"، بينما كنتُ أُعبّر باستمرار لمن حولي عن فرحة الحياة الحقيقية التي شعرتُ بها حينها. ورغم إصراري، كان الأطباء والممرضون والأصدقاء متشككون في تصديق صدق مشاعري، إذ وصفوني بأنني "مشوش" و "أعيش في حالة إنكار"، وأن تفاؤلي كان غير واقعي لمجرد أنني على قيد الحياة. وبينما كانوا ينتظرون أن تهدأ روحي وأن "أواجه" مشكلتي، ازدادت روحي قوةً كما أمرتني. لم يفهموا كيف أشعر بأنني "على قيد الحياة" رغم أنني لا استخدم جسدي. فالشعور بـ "الحياة" ليس حالة جسدية، بل حالة "ذاتية"، وهذا ما لم يتمكنوا من إدراكه. كم كانوا مرتبطين بالمادة!

كنتُ قادرًا على أن أجد السعادة والرضا في وضعي الحالي. لم أكن أعرف كيف عرفتُ ما أفعله. لكنني كنتُ ببساطة "أعلم"، ووثقتُ بهذا الشعور بداخلي. بعد أسبوعين من الجراحة التي عدّلت عمودي الفقري، وبالتالي خفّفت الضغط على حبلي الشوكي، وبينما كانت الممرضة تقضي احتياجاتي الشخصية، لاحظت تحرك إصبع قدمي اليمنى. ظنّت أنه تشنج عضلي، فتجاهلته. دخلت ممرضة أخرى الغرفة ثم نادت على الطبيب الذي ذُهل عندما بدأتُ بتحريك إصبع قدمي بناءً على أمره.

في الثاني عشر من ديسمبر، وبعد خمسة أشهر تقريبًا من الصلاة والعمل الجاد، دخلت إلى حياتي الجديدة عندما غادرت المركز الطبي الميثودي في ولاية أيوا متكأ على عصا.

معلومات أساسية:

الجنس: ذكر.

تاريخ وقوع تجربة الاقتراب من الموت: 8/3/1986.

عناصر تجربة الاقتراب من الموت:

في وقت تجربتك، هل كان هناك حدث يهدد حياتك؟ نعم. تعرضتُ لحادث. إصابة مباشرة في الرأس. تعرضتُ لحادث مروري أدى إلى كسر في الرقبة وخلع عند الفقرتين C3-4 وخلعٍ وضررٍ في الحبل الشوكي مع إصابة دماغية مغلقة وغيبوبة لاحقة. كما عانيت من غيبوبة أخرى بعد خضوعي لعملية جراحية لإصلاح رقبتي.

كيف تنظر في محتوى تجربتك؟ مشاعر مختلطة.

هل شعرت بالانفصال عن جسدك؟ لقد غادرت جسدي بوضوح وكنت موجودًا خارجه.

كيف كان أعلى مستوى لك من الوعي والانتباه خلال التجربة مقارنة بوعيك وانتباهك اليومي العادي؟ أكثر وعيًا وانتباهًا من المعتاد.

هل تسارعت أفكارك؟ تسارعت أفكاري بشكل لا يُصَدّق.

هل بدا أن الوقت كان يمر بشكل أسرع أم أبطأ؟ بدا أن كل شيء كان يحدث في لحظة واحدة أو أن الوقت قد توقف أو فقد كل المعنى. مستوى أعلى من الوعي.

هل كانت حواسك أكثر حيوية من المعتاد؟ كانت حواسي حيوية بشكل لا يُصدق.

يرجى مقارنة رؤيتك أثناء التجربة برؤيتك اليومية التي كانت لديك قبل وقت التجربة مباشرة. نعم.

يرجى مقارنة سمعك أثناء التجربة بسمعك اليومي الذي كان لديك قبل وقت التجربة مباشرة. نعم.

هل بدا أنك كنت على دراية بأمور تحدث في أماكن أخرى، كما لو أن ذلك كان يتم من خلال إدراك حسي خاص؟ نعم، وقد تم تأكيد حدوث تلك الأمور.

هل مررت داخل نفق أو عبرت من خلاله؟ نعم .

هل قابلت أو أصبحت مدركًا لوجود أي كائنات متوفاة (أو على قيد الحياة)؟ لا. قابلت "ذاتي" الحقيقية — جوهر كياني الداخلي. قابلت "روحي" وحضور بعيد لقوةٍ عليا قادتني هناك دون أن تُعرّف نفسها.

هل رأيت أو شعرت أنك محاط بنور مشرق؟ نور واضح من أصل روحاني أو من أصل غير دنيوي.

هل رأيت نورًا غريبًا؟ نعم .

هل بدا لك أنك دخلت إلى عالم آخر غير أرضي؟ عالم روحاني أو غير أرضي بشكل واضح.

ما هي العواطف التي شعرت بها خلال التجربة؟ في البداية عندما كنتُ بالنسبة للعالم في غيبوبة، لا أجد كلماتٍ كافيةً للتعبير عن جمال وروعة ما كنتُ على وشك أن أختبره خلال الأسابيع التالية. أي محاولةٍ لوصف هذه التجربة أو التعبير عنها بالكلمات لن تُفي بالغرض. ما كنتُ سأختبره كان شيئًا يتجاوز هذا العالم، ولا يُمكن وصفه بدقةٍ بكلماتٍ دنيوية. كنتُ على وشك أن أواجه حدثًا غامضًا وهادئًا في آنٍ واحد، مشاعر وأحاسيس لا تزال تُغمرني وتُؤثر على حياتي بالرضا والحب والفرح.

هل كان لديك شعور بالبهجة؟ شعرتُ بفرح لا يُصدق.

هل شعرت بالانسجام أو الاتحاد مع الكون؟ شعرت بالاتحاد مع الكون أو كأنني كنتُ ذاتًا واحدةً معه.

هل بدا لك فجأة أنك تفهم كل شيء؟ كل شيء عن الكون.

هل عادت لك مشاهد من ماضيك؟ برق الماضي أمامي دون تحكم مني.

هل جاءتك مشاهد من المستقبل؟ مشاهد من مستقبل العالم.

هل وصلت إلى حد فاصل أو نقطة لا عودة؟ نعم.

الله والروحانية والدين:

ما هو دينك قبل تجربتك؟ معتدل. كاثوليكي.

هل تغيرت ممارساتك الدينية بعد مرورك بتجربتك؟ نعم. لقد أصبحت أكثر روحانية ورضا.

ما هو دينك الآن؟ محافظ / أصولي. روحاني للغاية.

هل تغيرت في قيمك ومعتقداتك بسبب تجربتك؟ نعم. لقد أصبحت أكثر روحانية ورضا.

هل رأيت أرواحًا لشخصيات متوفاة أو شخصيات دينية؟ لقد رأيتهم بالفعل.

فيما يتعلق بحياتنا الأرضية بخلاف الدين:

هل اكتسبت خلال تجربتك معرفة أو معلومات خاصة تتعلق بهدفك؟ نعم.

هل تغيرت علاقاتك على وجه التحديد بسبب تجربتك؟ نعم، لقد أصبحت علاقاتي الاجتماعية أقل، وتفاعلاتي الاجتماعية أقل. ليس بطريقة سيئة؛ بل أصبحتُ أقضي وقتًا أطول مع عائلتي ومع نفسي، وأتأمل التجربة مليًا، فما زلتُ لم أفهم تمامًا ما حدث. يساعدني ذلك التأمل على الكتابة وتدوين يومياتي.

بعد تجربة الاقتراب من الموت:

هل كان من الصعب التعبير عن التجربة بالكلمات؟ نعم، في البداية عندما كنتُ بالنسبة للعالم في غيبوبة، لا أجد كلماتٍ كافيةً للتعبير عن جمال وروعة ما كنتُ على وشك أن أختبره خلال الأسابيع التالية. أي محاولةٍ لوصف هذه التجربة أو التعبير عنها بالكلمات لن تُفي بالغرض. ما كنتُ سأختبره كان شيئًا يتجاوز هذا العالم، ولا يُمكن وصفه بدقةٍ بكلماتٍ دنيوية. كنتُ على وشك أن أواجه حدثًا غامضًا وهادئًا في آنٍ واحد، مشاعر وأحاسيس لا تزال تُغمرني وتُؤثر على حياتي بالرضا والحب والفرح.

هل لديك أي قدرات نفسية غير عادية أو أي مواهب خاصة أخرى ظهرت بعد تجربتك ولم تكن موجودة لديك قبل التجربة؟ نعم. الأحلام الواضحة والقدرة على العودة إلى "ملجئي" وإصلاح إصاباتي الجسدية من داخلي.

هل كان لجزء أو لأجزاء من تجربتك مغزى خاص أو أهمية خاصة بالنسبة لك؟ كانت البداية ككابوس، لكنني انتهيتُ في مكان جميل. التجربة بأكملها كانت مترابطة ومتكاملة.

هل سبق لك أن شاركت قصة هذه التجربة مع الآخرين؟ نعم، في البداية، احتفظتُ بالتجربة لنفسي ولم أشاركها إلا عندما أثق بالمقربين مني. كثير من الناس لا يعرفون كيف يتعاملون معها. وقد رفضها كاهني. لكن عندما عدتُ إلى الجامعة بعد أكثر من سنة، كتبتُ ورقة بحثية بعنوان "كود الطوارىء الأزرق: بداية جديدة" وشاركتُها مع أستاذي، حينها عرفتُ أن هناك ما يُسمى بتجربة الاقتراب من الموت، ودهشتُ عندما علمتُ أن آخرين مروا بتجارب مشابهة. منذ ذلك الحين، تعلمتُ أنه ليس الجميع مستعدًا لمناقشة هذه الظاهرة، لذلك أتكيف في عرضها حسب المستمعين.

هل كانت لديك أي معرفة بتجارب الاقتراب من الموت قبل مرورك بتجربتك؟ لا.

ما رأيك في واقعية تجربتك بعد فترة قصيرة من حدوثها (أيام إلى أسابيع)؟ كانت التجربة حقيقية بالتأكيد.

ما رأيك في واقعية تجربتك الآن؟ كانت التجربة حقيقية بالتأكيد.

في أي وقت من حياتك، هل استطاع أي شيء أن يعيد إنتاج أي جزء من التجربة لك؟ لا.

هل هناك أي شيء آخر تود إضافته إلى تجربتك؟ لقد كان للتجربة تأثير عميق على حياتي، وما زلت أكافح لوضعها في نصابها الصحيح. كل ليلة، يعود جزء من التجربة إليّ في أحلامي، لذلك من الصعب أن أتوقف عن التفكير فيها.

هل هناك أي أسئلة أخرى يمكننا طرحها لمساعدتك في توصيل تجربتك؟ أسئلة الاستبيان مناسبة جداً.