تجربة بوبي هـ. في الاقتراب من الموت
|
وصف التجربة:
كانت ليلة سبت مملة، فور بعد انتهاء احتفال أقامته المدينة يُسمى "مهرجان الماء المجنون"، حيث هطل المطر طوال اليوم. أُقيم المهرجان في حديقة المدينة، وكان الجميع قد عادوا إلى منازلهم، حيث كان الوقت متأخرًا من الليل. كنتُ أتجول بالسيارة في المدينة مع صديق لي. وبينما كنا نسير في الحديقة، وجدنا كشكًا قام أحدهم بتعليق مظلة (براشوت) كبيرة وردية زاهية عليه ليحمي نفسه من المطر. كنا أنا وصديقي من هواة التزلج على الماء، وكنا نرغب في الحصول على مظلة لنتمكن من التزلج خلف قاربه. ورأينا في ذلك فرصة سانحة. لم نكن لصوصًا، لكننا أعتقدنا أنه لو أراد أحدهم المظلة لما تركها في الخارج تحت المطر، فقررنا أن نأخذها لأنفسنا.
كانت المشكلة الأولى أن المظلة كانت مربوطة في أعلى شجرة بلوط ضخمة، وكان على أحدنا أن يتسلق ويقطع حبلًا كان ملفوفًا حول غصن صغير على ارتفاع يتراوح بين 25 و30 قدمًا (8-9 أمتار تقريبًا) عن الأرض. تطوعتُ، وبسكين باوي في جيبي الخلفي، تسلقتُ الشجرة الكبيرة. (ملاحظة من المترجمة: سكين باوي Bowie من سكاكين القتال له نصل ثابت يجمع بين كونه سلاح وأداة عملية للاستخدام في التضاريس الوعرة.) عندما اقتربتُ من قمة الشجرة، تحركتُ بحذر إلى الخارج فوق غصن صغير، وأنا أشعر بشيء من الخوف وبأنني معرض للخطر الشديد. مددتُ يدي بالسكين وقطعتُ الحبل المصنوع من النايلون، فتحررت المظلة. شاهدتُها وهي تنفتح كزهرة وتسقط على الأرض، ثم رأيتُ صديقي يلتقطها بسرعة. ثم اكتشفت أنني لا أستطيع العودة تمامًا إلى جذع الشجرة. شعرتُ بعدم ارتياح شديد، فاستدرتُ قليلًا وحركتُ ذراعي للخلف محاولًا التشبث بغصن من الشجرة، لكن لم يكن هناك أي غصن. فقدتُ توازني وبدأتُ أسقط. وفي لحظة، انتابني الرعب، فقد أدركتُ أنني أسقط، وكنتُ أشك بشدة في قدرتي على النجاة من هذه المسافة.
توقف كل شيء وأنا أنتظر ارتطام جسدي بالأرض، لكنه لم يحدث. لقد اختفيت فجأة، وأعني فجأة، وانتقلت إلى مكان آخر. وجدت نفسي في مكان مظلم أو فراغ من نوع ما. دارت في ذهني دوامة من الشك والحيرة، كنت أحاول تحديد مكاني. وحينها بدأت أرى أحداث حياتي الشابة تُعرض فجأة في ذهني كأنها كانت تُعرض على شاشة عرض. ثم تلاشت، وعدتُ إلى الظلام مرة أخرى، عندما انتبهت إلى وجود نور من بعيد. كان النور خافتًا في البداية، لكنه كان يقترب تدريجيًا. وكلما اقترب النور، كلما ازداد إشراقًا، وكلما قلّ شعوري بالخوف والرعب. احتواني النور، كأنه ابتلعني. عندها أدركت أنني لم أعد أعاني من ضغوط الجسد – لم تعد رئتاي مضطرتين لإجهاد عضلاتي الوربية للتنفس، ولم يعد قلبي مضطرًا لضخ الدم إلى أعضائي ليبقيها على قيد الحياة. لقد تحررتُ من الجسد ومن الضغوط اليومية للوجود المادي. لم أعد أشعر بالخوف ولا الوحدة ولا الألم النفسي. لا توجد كلمات بشرية قادرة على أن تصف هذا الشعور. كان انغماسًا تامًا في محبة الله، في نوره، كانني كنت في حضرة المسيح نفسه، منغمسًا في الروح القدس. كنت أرى، ولكن ليس بعيني، وأسمع، ولكن ليس بأذني، وهكذا. كان أجمل شيء اختبرته في حياتي، لا قبل ذلك ولا بعده مطلقًا. لم يكن ماديًا، بل كان روحيًا محضًا.
بينما كان هذا يحدث، لم أشعر بالحزن، ولم أفتقد أي شخص ولا أي شيء كنت أتركه خلفي. بدا الأمر كأنني كنتُ غارقًا في فهم ومعرفة شاملة بكل شيء. لم يكن هناك أي مفهوم للزمان والمكان، بل فقط حب خالص وحكمة لا متناهية، ومغفرة وقبول لا حدود لهما. ومع ذلك، كنت أعرف بطريقة ما، رغم عدم النطق بأي كلمات، أنه كان عليّ العودة. ولم أكن أرغب في ذلك، لكن لم يُمنح لي خيار. ثم بدأ النور بالتلاشي والانطفاء. حينها بدأت مشاعر الخوف وضغوط الحياة تعود إلى ذهني وأنا أعود إلى جسدي المادي. بدأت أستعيد وعيي. كنت جالسًا في سيارة أمام منزلي. في البداية لم أكن متأكدًا من المكان الذي كنت فيه، لكن الأمور بدأت تتضح بعد ذلك. نظرت إلى صديقي ثم إلى علبة سجائر كانت موضوعة على لوحة القيادة. ثم أتذكر بوضوح أنني قلت له: "لا أعرف من أنت ولا من أنا، لكنني أتذكر أنني بحاجة إلى سيجارة"، وبالفعل مددت يدي، وأخذت سيجارة وأشعلتها. نظرت إليه مرة أخرى وسألته: "ماذا حدث؟". نظر إليّ بإحباط وقال: "للمرة الخمسين، لقد سقطت من شجرة".
لم أذهب إلى الطبيب إلا في اليوم التالي بسبب صداع شديد وآلام في الجسم. شعرتُ بتوعك شديد. أخبرني الطبيب أنني مصاب بارتجاج في المخ، ثم وبخني بشدة لعدم اتصالي بالإسعاف. أخبرني صديقي أنه أخذ المظلة ووضعها في صندوق سيارته، التي كانت تبعد حوالي 9 أمتار عن الشجرة. قال إنه سمع صوت ارتطام، ووجدني مستلقيًا على ظهري وإحدى ركبتي مرفوعة في الهواء. قال إن عينيّ كانتا مفتوحتين قليلًا، لكنني لم أكن أتنفس. حاول إيقاظي لكنه لم يستطع، وظن أنني متُّ نظرًا للارتفاع الذي سقطتُ منه. لم يعرف صديقي ماذا يفعل حينها لأننا لم نكن بالقرب من أي هاتف. كان ذلك سنة ١٩٧٩، تذكروا هذا. لم يكن الإنعاش القلبي الرئوي معروفًا آنذاك، لكن صديقي شاهد أطباء على التلفاز يضربون صدر شخص ما بقبضاتهم لإعادة نبض قلبه، ففعل ذلك ببساطة وبسذاجة شخص أحمق. وفي المحاولة الثالثة، بدأتُ أسعل وأتقلب. قال إنني عندها بدأت أتنفس بصعوبة وأسعل أكثر.
بعد بضع دقائق، قال إنني استدرت وبدأت أسأله عما حدث. بعد حوالي ثلاثين دقيقة، ساعدني على النهوض وقادني إلى السيارة، حيث طلبتُ منه أن يوصلني إلى المنزل فحسب. لا أتذكر شيئًا من ذلك حتى يومنا هذا. قال إنه أدخلني السيارة وقادها قليلًا لاستنشق بعض الهواء، ثم توجه إلى منزلي الذي يبعد حوالي أربعة أميال (سبعة كيلومترات) جنوب المدينة. قال إنني ظللت أسأله "ماذا حدث؟"، وهي علامة مميزة لارتجاج المخ أو الورم الدموي تحت الجافية. وعندها بدأت أستعيد وعيي.
لم أخبر أحدًا بتجربتي، لكن ارتفاع السقوط كان يتراوح بين 25 و30 قدمًا (8-9 متر تقريبًا). وما زلت لا أتذكر شيئًا من عملية السقوط. بعد مرور بضع سنوات، كنت أزور صهري ذات ليلة، فأخبرته بما جرى. فذهب إلى مكتبته وأحضر كتابًا كان قد قرأه، نُشر في أواخر القرن التاسع عشر في إنجلترا، ويحتوي الكتاب على مئات الحالات الموثقة التي بدت مطابقة لحالتي. لقد ذُهلت. ومنذ ذلك الحين، وأنا أسترجع كل ذلك في ذهني مرارًا وتكرارًا، ولا أجد تفسيرًا سوى احتمالية أنني كنت قد مت.
معلومات أساسية:
الجنس:
ذكر.
تاريخ وقوع تجربة الاقتراب من الموت:
سبتمبر 1979.
عناصر تجربة الاقتراب من الموت:
في وقت تجربتك، هل كان هناك حدث يهدد حياتك؟
نعم. تعرضتُ لحادث سقوط.
كيف تنظر في محتوى تجربتك؟
رائع.
هل شعرت بالانفصال عن جسدك؟
لقد غادرت جسدي بوضوح وكنت موجودًا خارجه.
كيف كان أعلى مستوى لك من الوعي والانتباه خلال التجربة مقارنة بوعيك وانتباهك اليومي العادي؟
أكثر وعيًا وانتباهًا من المعتاد.
في أي وقت خلال التجربة كنت عند أعلى مستوى لك من الوعي والانتباه؟
لا أعلم، إذ يبدو أنني فقدت الوعي أثناء سقوطي.
هل تسارعت أفكارك؟
تسارعت أفكاري بشكل لا يُصَدّق.
هل بدا أن الوقت كان يمر بشكل أسرع أم أبطأ؟
بدا أن كل شيء كان يحدث في لحظة واحدة أو أن الوقت قد توقف أو فقد كل المعنى. لم يعد للزمان والمكان أهمية.
هل كانت حواسك أكثر حيوية من المعتاد؟
كانت حواسي حيوية بشكل لا يُصدق.
يرجى مقارنة رؤيتك أثناء التجربة برؤيتك اليومية التي كانت لديك قبل وقت التجربة مباشرة.
نعم، كنت أرى ولكن ليس بعيني، ولم يكن لدي جسد كنت مدركًا لوجوده. وهذا الأمر يكاد يكون من المستحيل أن أشرحه.
يرجى مقارنة سمعك أثناء التجربة بسمعك اليومي الذي كان لديك قبل وقت التجربة مباشرة.
لا.
هل بدا أنك كنت على دراية بأمور تحدث في أماكن أخرى، كما لو أن ذلك كان يتم من خلال إدراك حسي خاص؟
نعم، وقد تم تأكيد حدوث تلك الأمور.
هل مررت داخل نفق أو عبرت من خلاله؟
غير مؤكد، لست متأكدًا مما إذا كنت في نفق أو ما إذا كان النور قد جاءني أم ذهبت إليه.
هل قابلت أو أصبحت مدركًا لوجود أي كائنات متوفاة (أو على قيد الحياة)؟
لا.
هل رأيت أو شعرت أنك محاط بنور مشرق؟
نور واضح من أصل روحاني أو من أصل غير دنيوي.
هل رأيت نورًا غريبًا؟
نعم، كان على مسافة بعيدًا عني في البداية، لكنه أصبح أقرب فأقرب، ومع اقترابه غادرني كل الخوف والرعب.
هل بدا لك أنك دخلت إلى عالم آخر غير أرضي؟
لا.
ما هي العواطف التي شعرت بها خلال التجربة؟
سلام عميق، لم أشعر بمثله من قبل.
هل كان لديك شعور بالبهجة؟
شعرتُ بفرح لا يُصدق.
هل شعرت بالانسجام أو الاتحاد مع الكون؟
شعرت بالاتحاد مع الكون أو كأنني كنتُ ذاتًا واحدةً معه.
هل بدا لك فجأة أنك تفهم كل شيء؟
كل شيء عن الكون.
هل عادت لك مشاهد من ماضيك؟
برق الماضي أمامي دون تحكم مني. رأيت كل الأشياء المرتبطة بالعار والخزي في حياتي، وبعد مراجعتها بدت وكأنها قد غُفرت.
هل جاءتك مشاهد من المستقبل؟
مشاهد من مستقبل العالم. من الغريب أنني كنت أحياناً أحلم بحدث قبل وقوعه – لكن لا شيء مميز، في الواقع كانت أحداث عادية جداً، ولم يحدث ذلك إلا نادراً، لكن حدثاً واحداً وقع وكان له تأثير بالغ. كنا نعاني من مشاكل خطيرة مع ابننا البالغ من العمر 18 سنة، والذي أصبح مدمناً على الهيروين. وفي صباح يوم 12 يناير 2008، كنتُ قد نمتُ متأخرًا. وقبل أن أستيقظ مباشرة، حلمتُ أغرب حلم في حياتي. حلمتُ أنني كنت فجأة في غرفة خافتة الإضاءة مليئة بأشخاص حزينين، يبكون كأنهم كانوا في جنازة أو عزاء. لم أستطع تمييز أي وجوه، لكنني كنت متأكداً من مكاني. ثم وجدت باباً وفتحته. انفتح الباب على الخارج، وتدفق هواء الشتاء البارد من حولي. كانت ليلة باردة ممطرة، وكان من الصعب جداً الرؤية عبر الضباب عندما رأيت فتحة في الغيوم إلى أعلى يساري قليلًا. استطعت أن أرى أجمل سماء ليلية رأيتها في حياتي. كانت النجوم كبيرة وساطعة للغاية. ثم رأيتُ مخلوقًا يصعد إلى داخل الفتحة. كان ملاكًا، ملاكًا ضخمًا بأجنحةٍ ضخمة مكسوة بالريش، لكنه لم يكن يواجهني. بل كان ينظر بعيدًا عني. ما كان واضحًا لي هو مدى ضخامة جناحيه أثناء صعوده، ولاحظتُ أنهما كانا متسخين ومُلطخين كأنه كان في خضم معركةً ضارية. أدركتُ حينها أنه ملاكٌ محارب – لا تسألني كيف عرفتُ ذلك، فقط خطر لي ذلك فجأة. لاحظتُ أيضًا أنه كان يحمل شيئًا بين ذراعيه، وكان على ما يبدو حريصًا جدًا عليه، كأنه أنقذ ما يحمله للتو. وفجأة، مثل صاعقة برق، انطلق بعيدًا واختفى بين النجوم بسرعة الضوء. هكذا ببساطة، اختفى واستيقظتُ. كانت الساعة 8:05 صباحًا. نهضتُ، وذهبتُ إلى المطبخ لأحضر فنجانًا من القهوة، وكانت زوجتي هناك. فأخبرتُها عن أجمل حلمٍ رأيته للتو، وأخبرتُها أيضًا أنه لا معنى له. أكملنا يومنا كالمعتاد. وفي الساعة الثامنة والنصف من تلك الليلة، طرق أحدهم الباب وهو يحمل إلينا نبأ وفاة ابننا في ذلك اليوم جرّاء جرعة زائدة من الهيروين. في تلك اللحظة، بدا لي الحلم، أو الرؤية، منطقيًا تمامًا. حدد الطبيب الشرعي وقت الوفاة في حوالي الساعة الثامنة من صباح ذلك اليوم. بدا الأمر كأن الله قد أطلعني مرة أخرى على رحمته، لأنه لولاها لما استطعت تحمل فقدان ابني الوحيد. أؤمن حقًا أنه أراني الملاك الذي ناضل من أجل روح ابني، وانتصر.
هل وصلت إلى حد فاصل أو نقطة لا عودة؟
لا.
الله والروحانية والدين:
ما هو دينك قبل تجربتك؟
معتدل. مسيحي.
هل تغيرت ممارساتك الدينية بعد مرورك بتجربتك؟
لا، فقد كنت مسيحياً عندما حدثت هذه التجربة. وقد ساعدت التجربة فقط في ترسيخ إيماني.
ما هو دينك الآن؟
معتدل. مسيحي.
هل تغيرت في قيمك ومعتقداتك بسبب تجربتك؟
لا، فقد كنت مسيحياً عندما حدثت هذه التجربة. وقد ساعدت التجربة فقط في ترسيخ إيماني.
هل رأيت أرواحًا لشخصيات متوفاة أو شخصيات دينية؟
لقد رأيتهم بالفعل. فيما يتعلق بحياتنا الارضية بخلاف الدين:
هل اكتسبت خلال تجربتك معرفة أو معلومات خاصة تتعلق بهدفك؟
بدا الأمر كأنني كنتُ أعرف كل شيء، كأن حجاب سوء الفهم الأرضي قد أزيل عني.
هل تغيرت علاقاتك على وجه التحديد بسبب تجربتك؟
لا.
بعد تجربة الاقتراب من الموت:
هل كان من الصعب التعبير عن التجربة بالكلمات؟
نعم.
هل لديك أي قدرات نفسية غير عادية أو أي مواهب خاصة أخرى ظهرت بعد تجربتك ولم تكن موجودة لديك قبل التجربة؟
لا.
هل كان لجزء أو لأجزاء من تجربتك مغزى خاص أو أهمية خاصة بالنسبة لك؟
الإحساس والمعرفة بالتسامح والقبول، وهما أمران لا يحترمهما هذا العالم.
هل سبق لك أن شاركت قصة هذه التجربة مع الآخرين؟
نعم. بعد مرور عدة سنوات من حدوثها، لكنني كنت حريصًا جدًا على من أخبره بها. وكان الذين أخبرتهم يبدون مندهشين من الأمر.
هل كانت لديك أي معرفة بتجارب الاقتراب من الموت قبل مرورك بتجربتك؟
لا.
ما رأيك في واقعية تجربتك بعد فترة قصيرة من حدوثها (أيام إلى أسابيع)؟
كانت التجربة حقيقية بالتأكيد.
ما رأيك في واقعية تجربتك الآن؟
كانت التجربة حقيقية بالتأكيد.
في أي وقت من حياتك، هل استطاع أي شيء أن يعيد إنتاج أي جزء من التجربة لك؟
لا.