الصفحة الرئيسية
ت ق م - الحديثة
قص لنا تجربتك

 تجربتي مع الموت

لـ: هوارد ستورم

أثناء تجربته، عاني هوارد ستورم نتائج ما فعله فى حياته السابقة التى سيطرت عليها المادية والأنانية. ولكنه أيضا سافر الى مواطن النور حيث تحدث مع النور الذى أرسله عائدا الى الحياة مرة أخري مع رسالة عميقة عن المحبة والحياة بعد الموت.


 دعوة الى الجحيم من كائنات غريبة

(كان هوارد ستورن فى ألم شديد وفي حالة إحتضار) 

قاومت بشدة لأقول وداعا لزوجتي، تصارعت مع عواطفي. أردت أن أخبرها بأنني أحبها وودعتها كثيرا شفهيا لتعرف مدي تعلقي بها وما كنت أعانيه من عواطف مختلفة فى تلك اللحظة.  وبعد هدوء أغلقت عينيّ، إنتظرت النهاية. هذه هى كما شعرت، كانت هى، لا شئ كبير، عدم محض، هى التى لا تقوم بعدها أبدا، هى نهاية الوجود. كان لديّ تأكيد مطلق بأنه لا شئ وراء هذه الحياة - لأن هذا ما يقوله ويدين به الأشخاص الأذكياء!.

 وبينما أنا تحت تلك الضغوط، لا صلاة ولا توسل ولا أى شئ من هذا القبيل، لم أفكر بهذا مطلقا، كنت إذا ما ذكرت إسم الرب يكون بدعوي السخرية والإستهزاء.  ولبعض الوقت كان هناك إحساس بعدم الوعي أو ما يشبه النوم. لست متأكدا كم طالت تلك الفترة، ولكن أحسست بشئ غريب، وفتحت عينيّ ولدهشتي رأيت نفسي أقف منتصبا بالقرب من فراشي، وأنظر الى جسدي راقدا على الفراش. وأول رد فعل لى هو أني صرخت "هذا جنون!، لا يمكن أن أكون واقفا هنا أنظر لأسفل، لنفسي، هذا مستحيل."     هذا شئ لم أتوقعه، هذا ليس صحيحا. لماذا أنا ما زلت حيا؟ أريدا شرحا وتوضيحا، وما زلت أنظر لشئ، أنظر لجسدي وأريد توضيحا لذلك!. 

وبعد أن عرفت ما يحدث بالضبط، أصبحت متوترا، بدأت أتأوه وأصرخ لألفت نظر زوجتي، لكنها كانت تجلس هادئة كالحجر. لم تنظر إلىّ، لم تتحرك- وبدأت أصرخ عليها بأن تراني بأن تعيرني بعض من عنايتها. شعرت بالتوتر والضيق والغضب، بدأت أحاول أن ألفت إهتمام رفيقي فى الغرفة، وكانت نفس النتيجة. لم يستجب لى مطلقا.

والآن أنا على علم بما يحدث معي.

أردت أن يكون هذا حلما، وأصبحت أردد لنفسي "هذا مجرد حلم" ، ولكن علمت أنه لم يكن حلما، كنت أدرك أني أصبحت أكثر إنتباها، أكثر حياة مما فى حياتي الماضية، كل حواسي فى غاية الدقة والتيقظ. كل شئ به حياة، كانت الأرض باردة وشعرت بقدميّ العاريتين رطوبة الأرض وبدأت أتعرق، هذا بالتأكيد حقيقي وقبضت على يديّ وإندهشت عندما شعرت بضغطهما. ، ثم سمعت صوتا ينادي " هوارد، هوارد- تعال الى هنا".. تساءلت فى البدء عن مصدر هذا الصوت، وإكتشفت أنه يأتي من ناحية الباب، كانت هناك أصوات مختلفة تناديني، سألت "من أنتم؟" ، قالوا لى "نحن هنا لنعتني بك، سنساعدك، تعال معنا".. سألت مجددا "من هم؟ هل أنتم أطباء أو ممرضين؟"، أجابوني " تعال بسرعة، ستعرف ذلك".. وكلما أطلق عليهم الأسئلة يجيبوني بأجوبة سريعة بغية التخلص من إلحاحي، وبطريقة توحي بإستعجالهم لى وإصرارهم على المجئ عبر الباب. ومع ترددي خرجت الى الممر، وفى منتصفه وجدت نفسي داخل ضباب، ضباب بألوان مختلفة، لم يكن كثيفا، إستطعت ان أري يدي، على سبيل المثال، وكان الأشخاص الذين ينادوني على بعد 15- 20 قدما، لم يكن بمقدوري رؤيتهم بوضوح، كانوا أشبه بأشباح أو ظلال، وكلما تقدمت إليهم كانوا يتراجعون للوراء، وكلما حاولت أن أقترب لأتعرف على أشكالهم بوضوح، كانوا ينسحبون أعمق داخل الضباب، وبذا بدأت أدخل أنا فى الضباب أعمق وأعمق.. كانت تلك المخلوقات الغريبة تدعوني بإلحاح كي أذهب معها، وظللت أسأل الى أين يذهبون، وهم يجيبون "أسرع، ستعرف ذلك".. لم يجيبوني بأي شئ، فقط بذلك الإصرار على أن أسرع وأتبعهم. وأخذوا يكررون لى أن آلامي لا معني لها وغير ضرورية " الألم سخف" كما قالوا.. علمت أننا ذهبنا لمسافة أميال طويلة، ولكن كانت لديّ القدرة على الإلتفات للوراء كل حين لأري نفس غرفتي بالمستشفي، وجسدي هناك على الفراش دون حراك، كان إحساسي وكأني أطفو أعلى الغرفة وأنظر لأسفل، ملايين ملايين الأميال عبرتها راكضا ورائهم، ومع ذلك أنظر لغرفتي وأري زوجتي ورفيق الغرفة قريبين منى، وأقرر فى النهاية أنهما لا يملكان شيئا لمساعدتي ولذا علىّ أن أذهب مع أولئك الأشخاص. .. وبعد أن قطعت مسافة كبيرة، كانت تلك الكائنات تحيط بي، كانوا يقودوني الى الضباب، لا أعلم بعد المسافة، كان هناك إحساس حقيقي بإنعدام الزمن خلال تلك التجربة، رغم أني كنت أشعر بأني قضيت أيام وسنوات أمشي وأمشي.. 

وكلما تحركنا الى الأمام كان الضباب يزداد كثافة ويزداد ظلاما، وبدأ أولئك الأشخاص أو الأِِشباح فى التغيّر، فى البداية بدوا وكأنهم سعداء ومرحين، ولكن بعد مسافة طويلة تحولوا ليكونوا عدوانيين. وكلما طرحت عليهم أسئلة وبادرت بشكوكي كلما أجابوني بجفاء وتسلط، وبدأوا يهزأون ويطلقون النكات على عري ظهري الذى لم أغطه بملاءة المستشفي وعن منظرى الذى يثير الرثاء.. كنت أعلم أنهم كانوا يتحدثون عني، وكلما حاولت أن أركز سمعي على ما يقولون كانوا يقولون لبعضهم البعض "شششش، هو يسمعنا، يمكنه أن يسمعنا".. 

ثم، أخذ الآخرون فى تحذير العدوانيين منهم، وسمعت أنهم قالوا لهم أن تكونوا أكثر عناية به لأنه سيخاف كثيرا.. وكنت أتساءل "ماذا يحدث؟"، وإستمريت فى إلقاء الأسئلة، وكانوا يكررون علىّ أن أسرع وأن أتوقف عن طرح الأسئلة، شعرت بصعوبة المواصلة، خصوصا عندما بدأوا بالعدوانية معي، وبدأت أفكر فى الرجوع، أنا ضائع، لم يكن هناك شكلا يمكنني الإعتماد عليه، فقط ضباب وظلمة ورطوبة، ولم يكن لديّ إحساس بأي إتجاه.. 

كان الإتصال معهم بالكلام فقط كأى إتصال مع إنسان، لم يبدو أنهم يعرفون ما أفكر به، ولا أعرف أنا أيضا ما يفكرون به، وإتضح لى آخيرا أنهم كاذبون، وأن المساعدة هى آخر شئ أتوقعه منهم..

 وبعد ساعات، تمنيت أن أموت وأنهي ذلك العذاب، الآن الأشياء بدت أسوأ وكنت مجبورا على اللحاق بهم بقوة، وتحولوا الى أناس قاسيين وغير طيبين وأسير معهم الى مكان غير معلوم فى ظلام دامس.. بدأوا يصرخون بي ويشتموني، ومع ذلك يطلبون منى أن أسرع ويرفضون الإجابة على أى سؤال.

 وفى النهاية أخبرتهم أني لن أذهب معهم أبعد من ذلك، وفى تلك اللحظة تغيروا بصورة كاملة، أصبحوا أكثر شرا وعدوانية وأكثر إصرارا على أن أذهب معهم، بل أخذ بعضهم بدفعي من الخلف بقوة وإستجبت لذلك بأن بدأت أضربهم بغيظ وحنق، وبدأت معركة بالتشابك والصراخ والضرب، قاتلتهم وكأني رجل متوحش، بينما بدوا هم فى سعادة ومرح وهم يتقاتلون معي، وكأني أمثل لهم تسلية عظيمة، أو كأني لعبة بين أيديهم يتقاذفونها، ألمي أصبح مصدرا لسعادتهم وبهجتهم، بدا وكأنهم يريدون أن يؤذوني، يخدشوني بأظفارهم ويعضوني، وكلما أنجح فى التخلص من أحدهم يأتي خمسة غيره ويتشبثون بجسدي. 

وفى هذا الوقت كان الظلام حالكا للغاية، وبعد أن كان عددهم حوالى عشرين أو ثلاثين أخذوا فى الإزدياد الى أعداد لا حصر لها.. وكل واحد منهم وكأنه جاء ليلعب بي ويشاكسني ويتلذذ بإيذائي، وكنت أقاوم بشراسة متزايدة، ويستمرون هم فى ضربي بطرق منحطة للغاية، أخذت أدافع عن نفسي وأهجم عليهم بدوري ولكنهم كانوا غير مبالين بإحراز النصر علىّ أو الفوز، فقد كانوا يلعبون بي كما يلعب القط بالفأر، وكل هجوم جديد يتبعه عواء عال منهم، ثم  بدأوا يقطّعون لحمي فى قطع صغيرة، وبكل رعب نظرت الى جسدي لأراه يتقطع فى أجزاء ويؤكل حيا وببطء شديد لتتم سعادتهم وتسليتهم أطول فترة ممكنة.. 

وكان لديّ إحساس بأن أولئك الأشخاص الذين أغروني وهاجموني ليسوا آدميين، وأفضل شئ لأصفهم به هو أن أن تفكر بأسوأ شخص يمكنك تخيله، شخص ليست لديه أدني نزعة أو أى ميل لفعل الخير مطلقا، كانوا يقومون بعملهم بكل قسوة وعدم إحساس بأى ألم أو شعور بالذنب لأقصي الحدود..

وأثناء مقاومتي لاحظت أنهم لا يشعرون بأي ألم، رغم أنهم يظهرون وكأنهم لا يتفوقون على الجنس البشري بأى صفة أو قوة.. وبالرغم من أنهم فى بداية إغوائي وجرّي الى هذا المكان كانوا يرتدون ثيابا إلا أن محاربتي لهم الآن أوضحت لى أنهم عراة تماما.. حاربت بقوة ولفترة طويلة، وخارت قواي وسقطت بينهم فى غاية الإجهاد، وأخذوا هم فى الهدوء حيث بدت لعبتهم وتسليتهم ساكنة!، بعضهم إستسلم بخيبة أمل، ولكن أخذ آخرون يناوشوني ويضربوني هنا وهناك حتى أنفعل مرة وأخري وأصبح ملهاة لهم، ثم أخذوا في تقطيعي، ثم تجمعوا لتمزيقي بصورة كاملة وأنا ليست لديّ أى قدرة على المقاومة، وما حدث بعد ذلك هو أني شعرت فى داخلي بصوت أحسست أنه ينادي ويقول لى "صلي الى الله"... ولكن عقلي أجابني "أنا لا أصلي، أنا لا أعرف كيف أصلي".. 

هذا الفتي ملقي على الأرض فى الظلام ، محاط بما يبدو عشرات بل مئات ومئات من المخلوقات التى تمزق فيه، بدا الحال وكأنه لا أمل لى ويأس تام يجتاحني، شعرت أنه لا مساعدة ستأتيني سواء آمنت بالله أو لم أؤمن به.. وعاد الصوت مرة أخري يخبرني بأن أصلي الى الرب، كان مأزقا حقيقيا، حيث أني لا أعرف كيف أصلي، وأخبرني الصوت للمرة الثالثة أن أصلي الى الله.. وبدأت أقول أشياء كـ" الرب راعيني، أنا لا أريد ... فليبارك الرب أمريكا" أو أى عبارة أخري تبدو دينية فى لفظها!... وبنطقي لتلك العبارات أخذ أولئك الأشخاص يصرخون ويجفلون بعيدا عني فى جنون وكأني صببت عليهم زيتا ساخنا.. وبدأوا يصرخون بي ويوبخوني وطلبوا منى أن أتوقف وبأنه ليس هناك رب ولن يكن بمقدور أحد أن يساعدني، وبينما كانوا يشتموني بقذارة كانوا يتراجعون بعيدا عني وكأني سما، وفى تراجعهم بدو أكثر قسوة وأخذوا يلعنونني ويصرخون ويقولون أن ما ألفظ به ليس له معني وأني شخص جبان.. صرخت عاليا " أبونا الذي فى السماء" وأفكار أخري مشابهة، وإستمر ذلك لبضع من الوقت ثم غادروا المكان، كان مظلما وكنت وحيدا أئن بكلمات بدت كنسية، وكنت سعيدا بأن تلك الأشياء الكنسية لها أثر على أولئك الأوغاد..

ظللت مستلقيا هناك لوقت طويل، كنت فى حالة يأس وقنوط وألم يعجزني وصفها، وليس لديّ مقياس عن الزمن، فقط أعرف أني مستلقي فى مكان غير معروف- ممزقا خائر القوي، بدا وكأني فى صورة  من التلاشي التدريجي وأن أى جهد أبذله سيستنفد آخر قوة بي، وكنت أعلم أني فى حالة هلاك أو أني أغرق فى ظلام..  

إنقاذ من الجحيم

الآن لا أعلم ما إذا كنت فى العالم، ولكنى أعلم أني هنا، كان حقيقيا، وكل حواسي تعمل بدقة مؤلمة!، لم أعلم كيف وصلت الى هنا، لم يكن هناك إتجاه لأتبعه حتى ولو كان بإستطاعتي الحركة. وكان العذاب الذى شعرت به خلال اليوم لا يقارن بما أشعر به الآن، علمت أنه نهاية كاملة لوجودي وكانت هذه الحقيقة مؤلمة ومفزعة لدرجة لا يمكنكم تخيلها.. 

ثم حدث شئ غريب جدا، سمعت بصورة واضحة تماما، مرة أخري بصوتي أنا، شيئا تعلمته فى مدرسة الأحد، كانت أغنية صغيرة "المسيح يحبني، نعم أنا أعلم..."، وظلت الأغنية تتردد، لا أعلم لماذا، ولكن فجأة أردت أن أصدق هذا، وأردت أن أتشبث بهذه الفكرة، وصرخت من داخلي " المسيح، أرجوك أنقذني".. وهذه الفكرة نطقتها بكل ما تبقي لى من قوة وإحساس ، وعندما فعلت، رأيت فى مكان ما فى الظلام نجمة صغيرة مضيئة، لم أعلم ماذا كانت، ظننت أنها مذنب أو شهاب ما لأنها تتحرك بسرعة، ثم أدركت أنها تتحرك بإتجاهي، كان نورها يزداد لمعانا بصورة سريعة..

ثم إقترب النور، كان إشعاعه يتخللني، وقفزت، ليس بقواىّ الخاصة، فقط إرتفع جسدي، ثم رأيت، رأيت ذلك بوضوح، رأيت كل جراحي، كل دموعي، كل حطامي يذوبون، وشعرت بكل جسمي تحت هذا التردد النوراني الهائل.. ما فعلته هو أني بكيت دون توقف، صرخت ولكن ليس بتأثير الألم بل بسبب إحساس بأشياء لم اشعر بها فى حياتي من قبل. 

شئ آخر حدث، فجأة تعرفت على أشياء عديدة.. علمت أن هذا الإشعاع يعرفني. لا أعرف كيف أوضح ذلك لكم بأني عرفت أنه يعرفني، ولكنى فقط علمت، بل علمت أنه يعرفني أكثر مما يعرفني أبي وأمي .

كان ذلك الوجود النوراني الذى إحتضنني يعرفني بخصوصية وبدأ يتصل بي بإحساس من المعرفة، علمت أنه علم أى شئ عني وأني أصبحت محبوبا ومقبولا لديه..

أوصل النور إلىّ أنه يحبني بطريقة لا أستطيع أن أوضحها، أنه أحبني بطريقة لا يعلم بها أحد أنه يمكن أن يحدث بها المحبة. كان حقلا ما من الطاقة، التردد النوراني لا يمكن وصفه، فقط القول بأنه محبة.

علمت بأن هذا الإشعاع كان قويا، أعطاني إحساسا بأنه جيد، أستطيع أن أشعر بالنور علىّ- كيدين حنونتين من حولى، وشعرت بأنها تستطيع حملى، يحبني بقوة هائلة.. بدأت فى البكاء والدموع تنهمر وتنهمر، وقمنا، أنا والنور ، بالذهاب بعيدا .. 

بدأنا نسير أسرع وأسرع، خارج الظلام، محتضنا بالنور، شعور بالسعادة والبكاء، ورأيت من بعيد شيئا أشبه بصورة المجرات، ولكنها أكبر وكانت هناك نجوما أكثر عددا مما نراه من على الأرض. 

كان هناك مركزا عظيما من التألق، ومن حول المركز إشعاعات لا حصر لها من النور تتطاير فى كل الإتجاهات.. ثم قلت ... لم أقل ولكني فكرت " أعدني"..

ما عنيته بالعودة التى أخبرت بها النور هو أن يعيدني الى الحفرة، كنت خجلا تماما مما كنت عليه فى حياتي، ولذا كل ما أردته أن أختفي فى الظلام، لم أكن أريد أن أذهب الى النور أكثر- كنت أريد ولا أريد. كم مرة فى حياتي أنكرت الحقيقة الإلهية التى أمامي، وكم مرة إستخدمتها كلعنة، كم كنت متكبرا بصورة لا تتصور وأنا أستخدم الإسم للعنة والهجوم فقط . كنت خائفا أن أقترب اكثر، خفت أن يتنافر جسدي مع ذلك النور.. 

كان الكائن الذى دعمني، صديقي، مدركا لخوفي وترددي وخجلي. وللمرة الأولي تحدث الى عقلي بصوت ذكوري وأخبرني أنه إذا ما كنت غير مرتاحا فليس علينا أن نتقدم أكثر، ولذا توقفنا حيث كنا، بأميال لا حصر بها بعيدا عن الوجود العظيم..

وللمرة الأولي، قال لى صديقي، وأنا سألقبه بصديقي فى السرد التالى، قال لى "أنت تنتمي الى هنا"

(ملاحظة من صاحب الموقع: هوارد يعتقد أن صديقه كان المسيح عليه السلام)

 بمواجهة كل ذلك التألق شعرت حقيقة بصغري ووضاعتي، وقلت له "كلا، ربما كنت مخطئا، أعدني".

فقال" لم نرتكب خطأ، أنت هنا"

ثم نادي بصوت موسيقي بالكائنات النورانية التى أحاطت بالمركز العظيم، العديد أتي وأحاط بنا، كنت ما زلت أبكي، وكان أن سألني أحدها " أنت خائف منا؟"

أخبرته "كلا"، قالوا لى أن بإستطاعتهم أن يقللوا من تألقهم ليظهروا كأناس، قلت لهم كلا، أبقوا على ما أنتم عليه.. كانوا أجمل شئ أراه فى حياتي، هناك ثلاثة ألوان بدائية، وثلاثة أخري ثانوية وستة ألوان في الضوء، وهنا أري ترددا لنور يبلغ 80 درجة على الأقل من الألوان البدائية، وأري أيضا ذلك التألق الذى لا أستطيع وصفه، وأنا كفنان أقول لكم أني رأيت هناك ألوانا لم أرها من قبل فى حياتي ..  

ما رأيته فى تلك الكائنات هو تألقها، لم أرها بصورة حقيقية، ومع ذلك كنت فى غاية الرضا، أنا الذى جاء من عالم الأشكال والهيئات، كنت مبهورا بهذا العالم الجديد الشكل والذى لا هيئة له، وأعطتني تلك الكائنات ما أردته في ذلك الزمن.. ولدهشتي، بدو وكأن بإستطاعتهم معرفة كل ما أفكر به، وتساءلت هل يمكن أن أتحكم فى أفكاري وأحتفظ بسريتها.. وبدأنا نتبادل الأفكار، كانت مخاطبة طبيعية جدا وتسير بسلاسة، سمعت أصواتهم بوضوح وبصورة فردية، ولكل منهم شخصية متميزة من خلال الصوت، ولكنهم يتحدثون بصورة مباشرة الى عقلي، وليس أذني، ويستخدمون لغة إنجليزية عادية، وكل ما فكرت به عرفوه فى الحال.

وكلهم بدو بمعرفتي وفهمي بصورة حسنة وكانوا متآلفين مع أفكاري وماضيّ. لم تكن لديّ رغبة أن أسأل عن شئ عرفته، لأنهم يعرفون كل شئ عني، ليس هناك شخص يمكنه أن يعرفني بصورة أفضل، ولم يدر بخلدي أن أناديهم بلقب "عمي، خالى، جدي" .. ولكن فى نفس الوقت تشعر كأنك فى أسرتك. لم أعرف هل لهم علاقة بي أو لا، ولكنهم أقرب لي بصورة لم أعرفها فى أحد من قبل.

ومن خلال حواري مع تلك الكائنات النورانية، والتى إستمرت لفترة طويلة جدا، وأخبرت بأن تلك المخلوقات عليها أن تذهب الى مصدرها لتنشط مع هذا الإحساس بالتناغم والوحدانية، أن يكونوا منفصلين عنه لفترة طويلة يقلصهم ويشعرهم بالإنفصال. وسعادتهم العظيمة  هى فى العودة الى مصدر كل الحياة..

وكانت محادثتنا المبدئية هى محاولتهم تهدئتي، والشئ الذى كان يزعجني هو أننى كنت عاريا، فى مكان ما فى الظلام فقدت ملابس المستشفي، أنا إنسان ولديّ جسد، أخبروني أنه لا بأس، إنهم معتادون على تركيبي الجسدي، وبالتدريج هدأت نفسي وتوقفت عن محاولة تغطية منطقة العورة بيديّ..

ثم أرادوا أن يتحدثوا عن حياتي، ولدهشتي تم إدارة شريط لحياتي أمامي، على بعد ستة أو ثمانية اقدام، من البداية والى النهاية. كانت عملية مراجعة الحياة تحت إدارتهم الكاملة وأروني حياتي، ولكن ليس من وجهة نظري. رأيت نفسي فى حياتي- وكان كل شئ عبارة عن درس، حتى ولو لم أكن أعرف ذلك حينها، حاولوا ان يعلموني شيئا، ولكنى لم أعلم أنها تجربة تعليمية، لأني لم أكن أعلم أني سأعود مرة ثانية الى الحياة.. 

شاهدنا تسجيلا لحياتي من البداية الى النهاية، في بعض الأحيان يبطئون من العرض ويركزون بعرض زووم على شئ ما، وأشياء أخري يتركونها تمر سريعا. عرضت حياتي بطريقة لم أفكر بها قبلا، كل ما خططت له فى حياتي لأنجزه، والمركز المتفوق الذى سعيت إليه، فى المدرسة الإبتدائية والعليا والجامعة والوظيفة، لم يعن لهم أي شئ فى عملية العرض. أستطيع أن أحس بمشاعر الأسف والمعاناة، والفرحة. لم يقولوا لى هناك شئ حسن أو سئ، ولكنى كنت أشعر بهذا. واشعر بكل الأشياء التى تجاوبوا معها باللامبالاة. فعلى سبيل المثال لم يهتموا بالنجاح المرموق الذى أحرزته فى المدرسة العليا، لم يكن لديهم أى إحساس به، أو أى شئ من الأشياء التى كنت أفخر بها دوما.. 

ما كانوا يهتمون به هو كيف أتفاعل مع الناس الآخرين. هذا هو الأمر الهام بكل إختصار. وللأسف لم تكن معاملاتي مع الناس بالطريقة التى أرادوها، وهى طريقة المحبة.. فى كل حين أتفاعل مع شئ بطريقة محبة كانوا يفرحون، ولكن فى معظم الأحيان أجد تفاعلى مع الناس الآخرين كان نفعيا. أثناء وظيفتي، على سبيل المثال، رأيت نفسي أجلس على مكتبي، ألعب دور بروفيسور بالجامعة، عندما دخلت إلىّ طالبة بمشكلة شخصية، أجلس هناك ويبدو علىّ الصبر والتفهم بينما فى داخلى كنت أشعر بالملل لدرجة قاتلة، أنظر للساعة فى يدي كل حين وأنتظر بفارغ الصبر أن تنه الطالبة حكايتها.. وهكذا كانت معظم تجاربي فى الحياة فى الشريط الذى رأيته مع تلك الكائنات..

عندما كنت يافعا كانت وظيفة أبي تجعل منه شخصا فى ضغط عصبي عال، كان يعمل إثنا عشر ساعة فى اليوم، وبسبب إمتعاضي منه لتجاهله لى، كان عندما يأتي الى البيت أتعامل معه بلا مبالاة. وهذا يجعله غاضبا، وهذا ما يعطيني عذرا أكثر لأشعر بالكراهية تجاهه، فكنا دوما نتشاجر مما يحزن أمي كثيرا.. وكنت طيلة حياتي أشعر أن أبي هو المخطئ وأنا الضحية، وأثناء مراجعة حياتي رأيت كيف كنت أدور حول ذاتي، وبدلا من التفريج عن ضغوط أبي فى نهاية يومه الشاق كنت أؤذيه لأنتقم لألمي.. ورأيت مشهدا آخر لأختي عندما كانت تعاني من كابوس ليلي وأحطتها بذراعيّ، لم أقل شيئا، فقط إستلقيت بقربها وذراعاي تحيطان بها، وعند مشاهدة ذلك الشريط كان هذا الحدث هو أعظم إنجاز لي فى حياتي!.. 

علاج المحبة والنور

مراجعة حياتي كان محطما لى عاطفيا، وربما يجعلني أعاني نفسيا، إلا أن المحبة التى أحاطتني بها تلك الكائنات هدئتني كثيرا، كنت أشعر بضيق أثناء الكشف عن حياتي الماضية على الشريط. كانت مشاعرهم المحبة محسوسة. يمكنك أن تشعر بها بجسدك، داخلك، يا ليتني أستطيع توضيح ذلك لكم ولكنى لا أستطيع..

العلاج كان المحبة، لأن حياتي التى إسترجعتها كانت تهبط بي لأسفل، كان سخيفا أن أراها. لا أستطيع أن أصدق هذا، والمؤلم أنه أسوأ وأسوأ كلما تقدمت بي، فغبائي وأنانيتي أثناء المراهقة تفاقما كلما كبرت فى السن تحت غطاء أن أكون زوجا طيبا أو أبا حنونا أو مواطن حسن السلوك. كان الرياء فى حياتي مقززا، ولكن رغم ذلك كانت هناك المحبة من الكائنات. 

عندما تمت عملية المراجعة سألوني "هل تريد أن تسأل عن أى شئ؟"

كانت لديّ ملايين الأسئلة. سألت على سبيل المثال "ماذا عن الكتاب المقدس؟"

أجابوني "ماذا عنه؟" سألت "ما إذا كان صحيحا"، أجابوني "إنه كذلك". قلت لهم "إذا لما كلما قرأته أجد فيه تناقضات؟"، أعادوني الى حياتي مجددا-الى شئ ركزت عليه. أروني أنه فى المرات القليلة التى كانت أقرأ فيها الكتاب المقدس كنت أقرأه بفكرة إيجاد تناقضات ومشاكل به. كنت أبرهن فى تلك المرات لنفسي أنه كتاب لا يستحق القراءة.. 

أوضحت لهم أن الكتاب لم يكن واضحا بالنسبة لى، لم يعن شيئا لهم، لكنهم أخبروني أنه يحوي حقيقة روحانية، وأنه يتوجب علىّ أن أقرأه بروحانية لأفهمه. يجب أن يقرأ بطريقة الصلوات.. أصدقائي هؤلاء أخبروني أن الكتاب المقدس ليس كبقية الكتب، أخبروني أنه عندما اقرأ بطريقة الصلوات سأجد الحقيقة، وهى أنه يتحدث إلىّ، يوضح نفسه إليّ، وأنه ليس علىّ أن أعمل عليه عقلي أكثر من ذلك..

وأجابوا على الكثير من الأسئلة بطريقة طيبة، سألتهم على سبيل المثال "أى الديانات أفضل؟" وكنت أنتظر إجابة كـ"المسيحية" مثلا لأني كنت ألاحظ أنهم مسيحيون، ولكنهم أجابوني "أفضل ديانة هى التى تجعلك أكثر قربا الى الله سبحانه وتعالى".. 

سألتهم" هل هناك حياة على الكواكب الأخري وكانت إجابتهم التى أدهشتني هى "أن الكون ملئ بالحياة".

ولخوفي من وقوع حرب نووية أخري سألتهم "هل ستقع حرب أخري؟" أجابوني بكلا، وإندهشت وقلت لهم كيف أني كنت أعيش تحت تهديد تلك الحرب، ولذا قضيت حياتي بتلك الطريقة، وأن الحياة كانت بالنسبة لي بلا أمل، فالعالم سينفجر على أى حال لذا لم يكن هناك معني لها، قالوا لى "كلا، لن تكون هناك حرب نووية أخري"..

وسألتهم "لما؟" أجابوني "لأن الله سبحانه وتعالى يحب العالم".. وسألتهم، "لما تسمحون بتلك الحروب أن تقع؟" أجابوني أن هذا ما يريده الإنسان، وهم يسمحون بوقوعها ليتعظ الناس ويعودوا الى مشاعرهم ويوقفوها.

العلم، التكنولوجيا وكل الإنجازات أخبروني أنها كانت منح منهم للبشرية- من خلال الإلهام. الناس يتم قيادتهم الى تلك الكشوفات، وبعض منها إستغلها بعض الناس لتحطيم الآخرين، بل وأضافوا أنه يمكننا أن نحدث الكثير من الخسارات على مخلوقات الله، ليس البشر فقط بل الحيوانات، الأشجار، الطيور والحشرات وأى شئ.. 

أخبروني أن إهتمامهم هو بكل الناس فى العالم، إنهم لا يهتمون ببلد أو بعرق دون آخر، أو تفوق بلد على بلد، إنهم يريدون منا أن نهتم بالآخرين كما نهتم بأنفسنا، إنهم يريدون لأي شخص أن يحب الشخص الآخر أيضا كحبه لنفسه بل وأكثر، إذا ما كان هناك شخص أو مكان ما من العالم تأذى علينا أن نتألم لذلك- علينا أن نشعر بألمهم. وعلينا أن نساعدهم. وقد تطور كوكبنا بهذه الطريقة لأول مرة فى تاريخه ونملك القوة والسلطة الآن لفعل ذلك. نحن مرتبطين مع بعضنا البعض بطريقة كونية، يمكن أن نصبح شعبا واحدا.

وأضافوا أن الناس الذين أعطيت لهم القوة والسيادة لقيادة العالم لأجل مستقبل أفضل، فجّروه، هؤلاء نحن، فى الولايات المتحدة. وعندما تحدثت معهم عن المستقبل، أجابوني بأننا نمتلك الحرية الكاملة..

إذا ما غيرنا الطريقة التى نحن عليها يمكننا أن نغير المستقبل الذى أروني إياه، إذا غيرنا من سلوكنا فسيكون شيئا مختلفا...

سألتهم كيف يمكن أن نغير بطريقة الكثير من الناس، لاحظت أن هذا يبدو صعبا، إن لم يكن مستحيلا، أن نغير أى شئ على الأرض. أوضحت لهم رأيي بأنها مهمة صعبة التحقيق.

أخبرني أصدقائي بصورة واضحة أن ما يحتاج إليه التغيير هو شخص واحد، أن يحاول شخص واحد التغيير للأفضل، أخبروني أن الطريق الوحيد لتغيير العالم يبدأ بشخص واحد. وسيصبح إثنين ثم ثلاثة. وهكذا، هذه هى الطريقة لإحداث التغيير الكبير.. 

سألت "الى أين يسير العالم فى المستقبل المتفائل؟ أين مكان التغييرات المطلوب إحداثها؟"، وكانت الدهشة أن الصورة التى أعطوني إياها عن العالم المطلوب منهم ليس كما تخيلت سابقا، كانت صورتي المتخيلة هى حرب النجوم، حيث كل شئ يشبه عصر الفضاء، معدني، تكنولوجيا متطورة. إلا أن المستقبل الذى أروني إياه تكاد تنعدم فيه التكنولوجيا، وكان أى فرد فى ذلك المشهد، أى شخص يقض